«الوطن» فى منزل شهيد «أكتوبر»: قنبلة الإخوان قتلت «عامل النظافة»
تفاصيل كثيرة تزاحمت فى ذهن الأرملة ذات الخمار والعينين المتقرحتين بكاءً على زوجها، مصير الـ750 جنيهاً راتبه أول عن آخر، وابنتهما ذات الـ 16 عاماً التى لم تحصل على أى شىء لجهازها، ودين قدره 50 ألف جنيه من تجهيز البنت الأولى، والابن عامل المحاجر الذى يبكى أمامها حزناً على والده عبدالله بيومى، الذى لقى مصرعه فى انفجار عبوة ناسفة أثناء عمله لدى إحدى شركات جمع القمامة فى 6 أكتوبر، تنظر الأم إلى ابنها قائلة «ابكى يا مسعود مات اللى كان بيسندك».
وتقول زوجته واصفة ظروفهم المعيشية الصعبة «مرتبه كان 750 جنيه مافيهومش جنيه زيادة ولا حوافز ولا غيره وغياب يوم بيتسبب فى خصم فى مرتبه فكان بيشتغل فى مصر 20 يوم وينزل البلد 6 أيام وكمان كان يقطع أجازته علشان يشتغل أكتر ويعرف يجيب لنا قرش».
وتتذكر زوجة عبدالله بيومى معاناة زوجها فى تدبير النفقات المطلوبة لتجهيز أولى بناته للزواج، وتقول «كنا بنجيب القرش على القرش وفلوسنا ماكفّتش جهاز البنت وبسببها الله يرحمه اتداين بـ 50 ألف جنيه لسه كان بيدفع فيهم قبل ما يموت».[FirstQuote]
ابنتان فى سن الزواج هما المسئولية الإضافية التى تحملها عامل جمع القمامة الذى راح ضحية العبوة الناسفة، بعد أن تداين فى تجهيز أولاهما بعشرات الآلاف ولم يستطع حتى مصرعه يوم الأربعاء الماضى من تجهيز أى شىء للابنة الثانية ذات الـ 16 عاماً، لكن تبقى النفقات اليومية مصدر الإنفاق الأول الذى سبب للأسرة ضيق الحال قبل رحيل عائلها الأول عامل النظافة، فتروى زوجته «750 جنيه كانوا هيكفّوا إيه ولا إيه، وإحنا ماعندناش لا أرض ولا غيره مالناش إلا ربنا وجارنا الله يكرمه اللى كان بيسلفنا فلوس ندبر بيها حالنا لحد ما ربنا يفرجها على جوزى فى الشغل».
ضيق حال الأسرة التى تسكن فى منزل قديم متهالك بلا أثاث منزلى سوى مقاعد خشبية بدون وسائد دفع الابن الأكبر لضحية العبوة الناسفة لأن يترك دراسته ليعمل فى محاجر البلوك فى محافظة المنيا. اغتراب الأب فى مدينة 6 أكتوبر والابن فى محافظة المنيا لم يدر على الأسرة الكثير بما يكفيها عن السؤال. ويقول مسعود «شغال فى البلوك علشان أبويا غلبان ماحلتهوش يصرف على البيت ولا يقدر لوحده يجهز إخواتى البنات».[SecondImage]
تعلق «مسعود» بوالده الراحل دفع أعمامه أن يخفوا عنه نبأ وفاته بحسب ما يقول رجب بيومى شقيق ضحية العبوة الناسفة، ويضيف «خوفنا عليه وهو بعيد يرمى نفسه تحت عربية، فقلنا له أن أبوه اتصاب وأنه لازم ييجى المستشفى ولما وصل بلغناه بخبر الوفاة وجه معانا البلد دفنا فى قريتنا فى بنى سويف» ورفض «مسعود» التفكير فى الزواج رغم تجاوزه سن العشرين فى محاولة لمساعدة أبيه فى تدبير نفقات زواج شقيقتيه الصغيرتين، بسبب ضيق حال والده وأحوال الضحية المتدهورة. ويقول «مسعود» إن والده اضطر للرجوع للعمل بعد أيام قليلة من إجراء عملية استئصال غضروف فى ظهره خوفاً من تطبيق مزيد من الخصومات على راتبه المحدود، ولم يكن «مسعود» الوحيد بين أفراد الأسرة الذى تأثر بشكل كبير بنبأ وفاة أبيه ولكن جدته «أم الضحية» هى الأخرى تأثرت بخبر وفاة ابنها مما دفع السيدة ذات الـ 68 سنة أن تتشبث بنعش ابنها قبل تشييع جنازته. وتقول زوجة عبدالله «ماكنشى الكبير بتاع أمه، لكن كانت متعلقة به علشان كانت عايشة معاه فى الشقة وكان لعبدالله أخ مات فى الجيش سنة 95 فى حادثة قطار قديمة».[SecondQuote]
ويقول «رجب» شقيق «عبدالله»: «رحنا قسم أول 6 أكتوبر وربنا يبارك لهم سهلوا لنا الموضوع، لكنهم قالوا لنا لازم الجثة تروح المشرحة، فى البداية قلقنا، لكن لما رُحنا المشرحة الإجراءات خلصت بسرعة واتأخرنا بسبب عربية الإسعاف، ووصلنا البلد فى بنى سويف ودفنا نحو الساعة واحدة بالليل».
«إيه أصعب من الزبالة نشتغل فيها؟» كلمات موجزة بدأ بها عماد السيد حديثه عن زميل عمله الذى انضم معه للعمل فى الشركة ذاتها منذ 2011، يقول عماد «أنا وزميلى عبدالله بيومى كنا فلاحين فى الأساس لكن ماحيلتناش أرض ومن 2001 وإحنا مجبرين على الشغلانة دى لحد النهارده لا يوم غياب ولا يوم راحة وكان عنده الغضروف وعامل عملية مركب لها شرايح ومسامير».
مساء الأربعاء 18 فبراير فى حدود العاشرة إلا ربع سمع عماد صوت انفجار على بعد كيلومتر من مكان عمله، ويروى جامع القمامة «صوت الانفجار فى بالى لأن المنطقة دى فى الحى الـ 11 فى 6 أكتوبر بيحصل فيها انفجارات كتير من وقت للتانى لكن ماكنتش أعرف أن الانفجار فى المرة دى أصاب أعز أصحابى، كنت مكمل شغلى عادى لحد ما جالى تليفون واحد زميلنا قال لى تعالى نروح مركز الشباب فى الحى الـ 11 علشان عبدالله قريبك اتعور ومشيت معاه وقبل ما نوصل قال لى لازم تبقى مؤمن بالله وبلغنى خبر الوفاة».
فى مركز الشباب كان جثمان عبدالله فى انتظار صديقه عماد «جثته كانت مدمرة، دماغه اتفجرت وبطنه اتفتحت ومصارينه خرجت برة»، ويصف «عماد» المشهد كان بشع وبمجرد علمه بنبأ الموت اتصل بشقيق عبدالله الأكبر رجب لتخوض الأسرة ليلة صعبة فى محاولة لاستخراج تصاريح الدفن وتقارير الوفاة.