الشيخوخة.. ما لها وما عليها

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

لا يقدر أى كائن حى على الفكاك من الموت أو الشيخوخة. لم نسمع أبداً أو نعرف كائناً لم يمت، كما لم نعرف أبداً كائناً سواء كان إنساناً أو حيواناً لم تزحف إلى جسده الشيخوخة.

بل إن الكائن الحى يتغير شعوره من حب للحياة تدريجياً إلى رغبة فى الموت بعد زمن يتفاوت حسب ظروف كل إنسان أو حيوان.

كان الكاتب الكبير توفيق الحكيم يتذمر من استمرار حياته بعدما أصابه المرض فى ثمانينات القرن الماضى ويدعو الله أن يعجل بموته.

توفيق الحكيم ليس حالة استثنائية أو غير طبيعية، فالإنسان الذى عاش بين أقران له وأهل وأقارب وزملاء يشعر بالغربة إذا ما نظر حوله ووجد أنهم يتسربون إلى القبور واحداً بعد الآخر.

لن يجد من يفهمه أو يتبادل معه الذكريات التى كانت بينهم، ولن يجد من يتمنى أن يعيش من أجله، وما يحدث مع الإنسان يحدث مع الحيوان.

معظم الحيوانات تشعر بدنو أجلها ولذلك تتجه إلى مقابرها التى تعرفها منذ زمن طويل وتستقر هناك إلى أن يحين أجلها وتموت بين أسلافها.

يولد الإنسان وسط فرحة أهله المنتظرين وصوله فيحتفون بقدومه ويقيمون الاحتفالات ويوزعون الحلويات تعبيراً عن فرحتهم، بعدما يكبر المولود ويصير طفلاً يتمنى أن يكبر أسرع حتى يمكنه أن يشارك الكبار حياتهم ويفعل مثلما يفعلون.

وعندما يصل الإنسان إلى عمر الشباب يتمنى لو أنه صار رجلاً ناضجاً صاحب وظيفة ومتزوجاً ويُرزق أولاداً.

فى داخله يتعجل حدوث هذه الخطوات ويتعجل دخوله العوالم المستقبلية ولا يتوقف الإنسان عن التفكير بهذه الصورة إلا بعد أن يجتاز عمر الأربعين، فهو يبدأ بالشعور بأن العمر الذى كان يتعجل مروره بسرعة يتسرب منه ويفقد من رصيده وكلما مر وقت ولو قليل فإن رصيده ينقص وبالتالى يبدأ التعامل مع الأمور بشكل مختلف.

بعض الناس يعتقدون أنه يمكن وقف زحف الشيخوخة وتسللها إلى أجسامنا بترديد أن الشباب شباب القلب وأن العمر ما هو إلا خانات من السنوات والشهور تملأ بلا معنى والمهم الإحساس.

ويقوم البعض بارتداء ملابس رياضية أو شبابية لنشر انطباع بأن الأمور تمام والمسائل عال العال والصحة «بمب».

لكن الشيخوخة ليست قراراً يمكنك اتخاذه بالتأجيل أو «مطب» يمكنك أن تتفاداه.. هى تتسلل وتقتل الخلايا بهدوء ولا يمكن إيقاف عملها.. ربما يمكن لأحدهم تحسين موقفه معها بأن يمارس الرياضة ويحرص على تنشيط جسمه وأن يأكل طعاماً مغذياً لجسمه فيساعد خلاياه على تأجيل رحيلها لفترة.. لكن فى كل الأحوال وبصورة قاطعة لا يمكن وقف زحف الشيخوخة.

لكن للشيخوخة إيجابيات؛ فهى تضعنا فى مكان يمكننا من خلاله رؤية حياتنا الماضية بصورة أقرب إلى الحقيقة، هى تكشف لنا ما أخطأنا فيه وما أصبنا بشأنه لكنها لا تعيدنا لكى نحصل على فرصة أخرى نحسن بها حياتنا وما فعلناه.

ومع ذلك هناك من يحب شيخوخته ولا يرضى عنها بديلاً ويراها سن الحكمة والرزانة ويسعد بسنواتها حتى لو عانى من بعض المتاعب الجسدية.

هي أمر محتم وعلينا أن نتكيف معه وأن ننظر إليه كجزء من حياتنا مثلما كانت الطفولة الصبا والشباب.