فى دار القضاء العالى، حيث محكمتا الاستئناف والنقض، تشير عقارب الساعة الكبيرة المعطلة والمعلقة فوق قاعة المستشار عبدالعزيز باشا فهمى، إلى الثانية والنصف ظهراً، رغم أنها لم تتجاوز الثانية عشرة ظهراً، وفى الطابق الثانى من المحكمة، دواليب الصاج تملأ الأزقة والممرات الضيقة، وتتكاثر داخلها وفوقها وبجانبها الأوراق والملفات المبعثرة، بعض الملفات لم تجد مكاناً فى رحاب الدواليب، فألقيت فى الممرات يدوس عليها المارون بأحذيتهم، وبعض الأوراق والملفات الأخرى كان مصيرها أجولة بلاستيك مخصصة للقمامة التى لم تجد وعاءً يحتويها فى إحدى زوايا المحكمة التى تكاثرت بها بشكل كبير. وداخل المكاتب المجاورة للدواليب يجلس عدد كبير من الموظفين كبار السن خلف مكاتبهم الخشبية القديمة، يتسامرون ويقهقهون، وأمام نافذة مكتب آخر معلق عليها لافتة مكتوباً عليها «النقض الجنائى» وأخرى «النقض المدنى»، يصطف طابور طويل من المحامين، لتصوير بعض الأوراق الخاصة بقضاياهم. وعلى أبواب دورات المياه المتهالكة بالطابق الثانى، تتزاحم الكتابات المسيئة إلى الجيش والرئيس والثورة، التى يلاحظها جميع الداخلين إلى دورات المياه، وعلى الإطارات الحديدية لإحدى النوافذ المطلة على إحدى ساحات المحكمة، معلق بعض الملابس الداخلية وتعلوها فوطة زرقاء، وفى أحد المداخل ملقى عدد من طفايات الحريق المتهالكة. وفى تمام الساعة الواحدة ظهراً تعلو جعجعة شديدة من البوابة الرئيسية لدار القضاء، لعدد من الأهالى الذين يريدون أن يدخلوا إلى ساحة المحكمة خلف أبنائهم وأقاربهم الذين نزلوا للتو من سيارة الترحيلات، والأمن يصر على منعهم، فيكتفون بتوديعهم بعيون تملأها الدموع والوجع، ويعودون إلى أماكن انتظارهم على رصيف شارع عبدالخالق ثروت المقابل لدار القضاء. وعلى قدمين واهنتين يقف سيد عدلى إلى جوار عدد من أصدقائه وأقاربه، منتظراً ما ستحكم به المحكمة على أخيه كريم عدلى الذى يقول إنه برىء من تهم حيازة المخدرات التى لُفقت له، والتى يجدد له الحبس فيها احتياطياً باستمرار. ويضيف أن أخاه مكث كثيراً فى متاهات السجون التى يدخلها لأول مرة، وأن الروتين والإجراءات الطويلة فى القضاء أسهمت فى مكوثه بالسجن فترة كبيرة، وأن طول الإجراءات الممل أصبح شيئاً طبيعياً فى المنظومة القضائية، حيث اعتادنا على أن يجدّد الحبس 15 يوماً لأخيه على ذمة التحقيقات.