نهى نصر تكتب: الثانوية العامة وسنينها

كتب: نهى نصر

نهى نصر تكتب: الثانوية العامة وسنينها

نهى نصر تكتب: الثانوية العامة وسنينها

في مثل هذه الأيام العصيبة أعذر كل أب وأم لا ينامان خوفًا وحيرة على مستقبل أبنائهما من طلاب الثانوية العامة، فقبل نحو 7 سنوات رأيت الحيرة والخوف في عيني والديَّ، بينما كنت أقف في مفترق طرق؛ إما أن أتقدم خطوة وأحصد أجر عام كامل من المذاكرة والتعب في جو مشحون بالقلق والتوتر، وإما أن أتراجع خطوات ولا حيلة لي في حسم أمري بين اتجاهين متضادين.

في ليلة الحادي عشر من يوليو 2017، كنت طالبة في الثانوية العامة أنتظر نتيجتي على أحر من الجمر. كان القلق والتوتر يلاحقاني في كل خطواتي، وعندما علمت أن النتيجة في اليوم التالي وجدت نفسي أجلس على الأرض مرتدية عباءة سمراء وفي يدي مسبحة ولساني لا يتوقف عن ذكر الله، ورغم الكلمات التي كان يرددها الجميع حولي في محاولة لطمأنتي خوفًا من توقف قلبي «بيقولوا في ناس طلعت من الأوائل في بلدنا»، لم يهدأ روعي بل ازداد خفقان قلبي، وتلاطمت الأفكار في رأسي «يا ترى هحقق حلمي وأجيب مجموع ولا هنام زعلانة في اليوم ده»، واستمر الحال على ما هو عليه حتى دقت الساعة السابعة صباحًا، وعدت مجددًا إلى سجادة الصلاة والمسبحة، بحثا عن النجاة لحين سماع الخبر المرتقب.

في الساعة الثانية عشر ظهرًا جاءني الخبر؛ احتضنتني أمي والدموع تتساقط من عينيها دون أن تنطق بكلمة، شعرت وقتها أن الدماء تتجمد في عروقي، صرخت بصوت مرتفع «قولي جبت كام»، لتبادرني «الحمد لله جبتي 95%». وقعت تلك الكلمات على صدري كالجبل. شعرت أن الدنيا أصبحت سوداء أمامي، لا أعرف ماذا سأفعل، بعد فقدان حلم دخول كلية طب الأسنان، ظننت أن رحلتي انتهت، دب الحزن في قلبي وازداد وجهي شحوبًا، كأنني فقدت الوعي لكنني كنت أميز كلماتهم حولي «ربنا هيعوضك عليكي، متزلعيش، مجهودك مش هيضيع يا نهى».

أخبرت أمي الجميع بنتيجتي لكي تطمئنهم، وخلال دقائق تجمع الأهل والأحباب في منزلنا، كلهم كانوا يشعرون بفخر كأنني حققت إنجازًا. وما زلت أتذكر ابن عمي الذي جاءني مسرعًا ومناديًا بصوته العالي المملوء بالفرحة "ألف مبروك رفعتي راسنا في البلد"، وانطلقت الزغاريد وعلا الضحك ودبت الفرحة في قلب بيتنا، لأجد نفسي مستسلمة للفرحة وإن كنت أخفقت في تحقيق الحلم الذي طال انتظاره.

"ذهبت السكرة وجاءت الفكرة".. انتهى الفرح والزغاريد وبدأت حيرة من نوع آخر، مكتب تنسيق، جامعة خاصة، جامعة حكومية، سفر، غربة عن الأهل والبيت، وفجأة وجدت نفسي على باب كلية الإعلام جامعة جنوب الوادي، فقد انتقلت بأحلامي من مدينة الجمال والهدوء أسوان إلى قنا؛ لأبدأ رحلة جديدة لم تخلُ من "إعلام ايه!.. هتخلصي ومش هتلاقي شغل".

خضت الرحلة وكنت من أوائل طلاب كلية الإعلام وعلى الرغم من سعي الدؤوب لكي أصبح معيدة، لم يحالفني الحظ وودعت الكلية بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ليشأ القدر أن أعمل صحفية، ويعود لي الأمل مجددا وأخوض للمرة الثالثة رحلة جديدة ممتعة تجدد فيها شغفي بالحياة، وجعلتني أثق في أن عناية الله لا تتركنا في كل خطواتنا، وما يختاره الله لنا أجمل من اختياراتنا.


مواضيع متعلقة