سر بقاء المصريين (3)

لم يقف تأثير مصر فى الإنسانية جمعاء عند حد الأديان والثقافات، بل يمتد إلى السياسة متمثلاً فى جانب منها عبر فكرة «الماعت» أو العدالة التى عرفها قدماء المصريين، وكذلك «فكرة الحق الإلهى للملوك»، التى أُعجب بها يوليوس قيصر بعد غزوه مصر، لكنه لم يتمكن من تنفيذها كاملة، لتكمن ثم تظهر فى التحالف بين الملوك والكنيسة فى أوروبا خلال العصر الوسيط، لتنتقل فيما بعد إلى بلاد فارس فى تصورها عن «ملك الملوك»، ثم إلى بلاد المسلمين فى العصر الأموى وما بعده، لتظل قائمة فى التصور السياسى لبعض الجماعات الإسلامية عن «الحاكمية»، وفى تصرف بعض من يجلسون على عروش البلاد المعاصرة ويظنون أنهم يستمدون حكمهم من الله سبحانه وتعالى.

إن المصريين من أشد شعوب العالم تجانساً فى الصفات العرقية والمقاسات الجسمية، ومن أكثرهم تشابهاً فى السحنة والملامح. وقد أثبتت بحوث أن «الجين» المصرى المتغلب يسكن أجساد نحو 95 فى المائة من سكان مصر المعاصرة. لكن الأمر لم يقف عند حد هذا «البقاء البيولوجى»، بل امتد إلى «البقاء الاجتماعى» و«البقاء النفسى» الذى توزع على صورتين هما البقاء فى المكان والبقاء فى الزمان.

وعن البقاء فى المكان، نجد أن مصر دولة قديمة، احتفظت بمكانها الأصلى طوال حياتها، إذ كانت تتمدد فى أيام قوتها فتطوى أرضاً جديدة فى الشرق والغرب والجنوب، لكنها حين تضعف لا تفقد أرضها تماماً، فهى إن فقدت بعضها حيناً لا تلبث أن تستعيده، حتى وصلت إلى حالها الجغرافية التى نعرفها عليها الآن. 

وحتى من احتلوا مصر لم ينزعوها من مكانها، أو يُفقدوها وجودها، بل حافظوا عليه، وزادوه أحياناً، مستسلمين فى كل الأحوال لقدرة المصريين العجيبة على تذويب الغريب أو صهره.

والمكان هو الذى نظم علاقة مصر بالجوار والعالم، فأما الجوار فقد حددت الصحراء والبحار طبيعة الاتصال به بما حفظ لمصر طابعها الحضارى وشخصيتها التاريخية، وأما العالم فإن مصر كانت مجمع قارتين، ومفرق بحرين يمتدان بين الحار والبارد، فصارت الزاوية التى يجتمع عندها الشرق والغرب، ولذا لم يكن من المستغرب أن تقصدها كل قوة شرقية تريد السيطرة على الغرب، وكل قوة غربية تريد السيطرة على الشرق.

والبقاء فى المكان هو أحد الأركان التى جعلت من مصر أمة وليست مجرد «دولة»، وهذه خاصية لا يتمتع بها سوى القليل فى العالم القديم والمعاصر على حد سواء. 

فمصر لم تسبق بلاد العالم فى قيام دولة وكيان سياسى فقط، لكنها تميزت عن غيرها من الدول التى ظهرت لاحقاً ومرت بالظروف التاريخية والاجتماعية نفسها، بالمحافظة على وحدتها القومية عبر العصور، والتى ساهمت فى تحقيقها بعض العوامل الأيكولوجية الخاصة بها، التى أعطت الدولة المصرية، بتكوينها الاجتماعى والاقتصادى الذى تمارس عليه سلطتها، خصائص فريدة.

وهذا أكسب المصريين اعتزازاً بأرضهم، وتمسكاً بها، وجعل عقيدة جيوشهم القتالية هى الدفاع عن الأرض والتضحية فى سبيلها، حتى إن المصرى الأصيل يتحدث دوماً عن رفضه التفريط فى حبة رمل واحدة، ويتحدث الجندى عن مهمته الأساسية فى حراسة الحدود من أى غازٍ أو مغير. وكل هذا يتم تحت إطار دستور، أتت نصوصه المتتابعة مع كل تغيير أو تعديل على ذكر الأرض، وآخرها دستور 2014 المعدل 2019، الذى تبدأ ديباجته بتعيين مكان مصر، فتقول:

«جمهورية مصر العربية بعبقرية موقعها وتاريخها قلب العالم كله، فهى ملتقى حضاراته وثقافاته، ومفترق طرق مواصلاته البحرية واتصالاته، وهى رأس أفريقيا المطل على المتوسط، ومصب أعظم أنهارها: النيل»، ثم تنص مادته الأولى على أن: «جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا يُنزل عن شىء منها».

كما جعل كل هذا المصرى يعتز بالطين، وهو التعبير عن الأرض المزروعة أو التى يمتلكها فرد أو أسرة أو عائلة أو قبيلة وحتى زمام القرى، التى لا يقبل أهلها أن يأتى غريب عن قريتهم ليتملك زرعاً فى زمامها، وإن حدث ينظرون إلى هذا دوماً باعتباره شيئاً لا يتوافق مع طبيعة الأمور. 

ولا يزال المصرى ينظر إلى بيع أرضه المزروعة باعتباره عاراً، أو شيئاً كريهاً لا يُقبل عليه إلا مضطراً تحت ذل الحاجة الملحة.

ويندرج تحت الانتماء لأرض مصر بعمومها انتماءات فرعية تملأ نفوس أهل كل قرية أو عزبة أو نجع أو كفر أو مدينة أو حى، للمكان الذى يحيون فى رحابه، وينطبعون به، ويؤثرون فيه، لهذا يكون من الصعب على المصرى أن ينخلع من مكانه مضطراً، لأسباب عديدة، وحتى إن انخلع طوعاً فهو لا يكف عن الحنين إلى مكانه القديم.

وعلى مدار قرون طويلة بقى المصريون فى أرضهم، لا يبرحونها أبداً، حتى ضاق بهم العيش فى العقود الأخيرة فهاجروا إلى الشرق والغرب سعياً وراء الرزق، لكن الأغلبية الكاسحة من هؤلاء المهاجرين تحتفظ ببيوت فى مصر، حتى لو حصلوا على جنسيات أخرى وتحققوا فى المهجر، والكل يحرص على أن يمتلك مقبرة فى أرض النيل، يُدفن فيها بعد موته.