"عبدالخالق": قانون الاستثمار الجديد يعيد فساد عصر "مبارك"

كتب: محمود الجمل

"عبدالخالق": قانون الاستثمار الجديد يعيد فساد عصر "مبارك"

"عبدالخالق": قانون الاستثمار الجديد يعيد فساد عصر "مبارك"

«مسئولية ارتفاع أسعار السلع وزيادة معدل التضخم تقع على الحكومة بسبب تصريحاتها غير المسئولة».. هكذا شنّ الدكتور جودة عبدالخالق، وزير التموين الأسبق، هجوماً على حكومة المهندس إبراهيم محلب، وتصريحاتها عن تطبيقها نظام السوق الحرة، مضيفاً أن «مافيا الاحتكار» تتحمّل هى الأخرى المسئولية بسيطرتها على السلع، فى ظل قانون ضعيف لحماية المنافسة ومنع السياسات الاحتكارية. وكشف «عبدالخالق» فى حواره لـ«الوطن» عن مفاجآت حول الأرقام التى تضعها وزارة التموين والتجارة الداخلية بين يدى الرئيس عبدالفتاح السيسى ووصفها بأنها «غير مدققة وتحتاج إلى مراجعة». ووصف سياسات البنك المركزى المصرى بـ«الخاطئة»، بسبب سماحه باستيراد سلع وصفها بـ«الاستفزازية»، مشيراً إلى أن فاتورة الواردات العام الماضى بلغت 71 مليار دولار، الأمر الذى يمثل خطورة فى ظل وضع اقتصادى متأزم وشُح فى النقد الأجنبى. وإلى نص الحوار.. ■ فى رأيك، مَن يتحمل مسئولية ارتفاع الأسعار بشكل كبير خلال الفترة الأخيرة؟ - السبب الرئيسى فى ارتفاع الأسعار الجنونى وزيادة معدل التضخّم يرجع إلى التصريحات غير المسئولة التى تطلقها الحكومة حول اتباعها نظام الاقتصاد الحر، الذى يختصر دور الدولة فى تطبيق القوانين ومراقبة الأوضاع داخل السوق، وهذا يعنى أن الحكومة لا تتدخّل بشكل مباشر فى عملية تحديد ووضع أسعار السلع، فهى مجرد مراقب لهذه العملية، وكل ما عليها هو التأكد من أن الأسعار المحدّدة هى أسعار موضوعة طبقاً لقوى العرض والطلب، وتترك المواطن تحت رحمة مافيا الاحتكار وتسيطر على أغلب السلع الاستراتيجية مثل الحديد والأسمنت ومنتجات الألبان والسلع الغذائية، وذلك فى ظل قانون ضعيف لحماية المنافسة ومنع السياسات الاحتكارية، فالغرامة التى يسددها المحتكر عن جريمة الاحتكار ضئيلة جداً، مقارنة بالمكاسب والأرباح الخيالية التى يحصل عليها، بالإضافة إلى الخلل فى منظومة التجارة الداخلية وتعدد حلقات تداول السلعة الواحدة حتى تصل إلى المستهلك، وكان ذلك أحد أسباب ارتفاع أسعار السلع والخضراوات خلال الفترة الأخيرة، بالإضافة إلى غياب دور الدولة والعشوائية المنتشرة فى الأسواق. حضور الدولة يجب أن يكون قوياً، لكن بطريقة ذكية، وليس من خلال مطرقة، لكن من خلال فكر وآليات وإرادة وجرأة، والتفاهم مع التجار فى الغرف التجارية ضرورى جداً، لتعلقه بأمن المجتمع، وهناك سبب آخر لارتفاع الأسعار وهو تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار وسياسات البنك المركزى الخاطئة.[FirstQuote] ■ ماذا تقصد بـ«سياسات البنك المركزى الخاطئة»؟ - أهم دور منوط بالبنك المركزى هو حماية القوة الشرائية للجنيه أمام الدولار أو العملات الأجنبية الأخرى، وهى مسألة حياة أو موت، وبمثابة أمن قومى، فكيف يسمح البنك المركزى باستيراد سلع استفزازية بالدولار؟، فعلى سبيل المثال، فاتورة الواردات بنهاية ديسمبر 2014 تضمنت 308 ملايين دولار، قيمة استيراد تفاح، فى حين أن التفاح المحلى متوافر بالسوق المصرية، هذا غير استيراد مناشف وحفاضات أطفال بإجمالى 53 مليون دولار، واستيراد أسماك مجمّدة بـ82 مليون دولار وفول صويا بمليار دولار وقطع غيار سيارات بقيمة 1.6 مليار دولار وسيارات بقيمة 2.7 مليار دولار وهواتف محمولة بقيمة 1.6 مليار دولار، وبلغ إجمالى فاتورة الواردات العام الماضى 71 مليار دولار، رغم صعوبة الموقف الاقتصادى وشُح النقد الأجنبى.. لذا يجب على البنك المركزى التدخل وعدم فتح الباب على مصراعيه لاستيراد سلع استفزازية، ووضع ضوابط جمركية على الواردات، مرتبة حسب الأولوية بالنسبة للمواطن، ففى حالة تقليص البنك المركزى فاتورة الواردات بنسبة 10٪ فقط سيوفر 7.1 مليار دولار لخزانة الدولة، ونحن فى أمسّ الحاجة إليها. ■ هل اختفاء طوابير الخبز مؤشر لنجاح الحكومة فى إدارة المنظومة؟ - اختفاء الطوابير لا يعنى مطلقاً انتهاء أزمة الخبز، وعلى الرغم من تطبيق الحكومة منظومة كروت الخبز، التى أخرجت شريحة كبيرة من غير مستحقى الخبز المدعوم، مثل الجاليات العربية التى لا تستحق الدعم، لكن فى الوقت نفسه هناك أكثر من 20٪ من المصريين يستحقون دعم الخبز، لكن مش قادرين ياخدوا رغيف مدعوم، لعدم قدرتهم على استخراج كارت الخبز، وهؤلاء هم مستحقو الدعم الحقيقيون.[SecondQuote] ■ وزير التموين الحالى أعلن تسلم 5.3 مليون طن قمح محلى من الفلاحين واعتبره رقما قياسياً.. ما تعليقك؟ - الأرقام التى تعلن عنها الحكومة غير مدققة، وتحتاج إلى المراجعة، والوزارات تضع أرقاماً مغلوطة أمام الرئيس عبدالفتاح السيسى، فعلى سبيل المثال، أعلن الرئيس فى فقرة بخطابه للشعب فى مايو الماضى أن الاحتياطى الاستراتيجى من القمح يبلغ 800 ألف طن، وهو احتياطى استراتيجى آمن، حسبما ورد فى خطاب الرئيس، وهذا رقم مغلوط تماماً، لأن الاستهلاك المحلى من القمح يبلغ 955 ألف طن شهرياً، وتقدر وزارة التموين الاحتياطى الاستراتيجى الآمن بثلاثة أشهر، ومعنى ذلك أن الاحتياطى الاستراتيجى الآمن هو 2.865 مليون طن من القمح، بالإضافة إلى ما أعلنه الدكتور خالد حنفى، وزير التموين والتجارة الداخلية، الأسبوع قبل الماضى من أن إجمالى ما تم توريده من القمح المحلى من الفلاحين بلغ 5.3 مليون طن من القمح، وهذا أيضاً رقم مغلوط وتحقيقه ضرب من الخيال، فمن خلال حسبة بسيطة لإجمالى المساحة المزروعة من القمح سنكتشف أنها لا تزيد على 3 ملايين فدان وإنتاجية الفدان تتراوح ما بين 14 لـ18 إردباً، وبناءً على ذلك فإن إنتاجية الفدان تصل إلى 2.6 طن، وبذلك يصل إجمالى محصول القمح إلى 8 ملايين طن فى أحسن الأحوال الطبيعية، والرقم القياسى لتوريد القمح المحلى فى السنوات الأخيرة لا يتخطى 3.8 مليون طن قمح محلى فى 2012، وحتى فى فترة حكم الرئيس المعزول محمد مرسى، الذى زعم فى تلك الفترة قدرتنا على الاكتفاء الذاتى من القمح، نجد أن ما تم توريده من القمح المحلى بلغ 3.6 مليون طن، وهذا يرجع إلى أن الطاقة التخزينية فى مصر لا تستوعب أكثر من 4 ملايين طن على أقصى تقدير. ■ إذن كيف تفسر زيادة واردات الفلاحين إلى 5.3 مليون طن هذا العام؟ - المسألة ببساطة أن السعر العالمى للقمح انخفض عن سعر القمح المحلى بقيمة تتراوح من 800 إلى 1000 جنيه، وهذا أغرى التجار باستيراد القمح بالأسعار العالمية الأقل وتوريده لهيئة السلع التموينية بالسعر المحلى الأعلى، وتحقيق أرباح خيالية من جيب المواطن الكادح، خاصة أن وزارة التموين سمحت لموردى القمح بالتوريد مباشرة للمطاحن، بدلاً من الشون والصوامع، بعيداً عن الرقابة والفحص والمراجعة، مما يعد مدخلاً واسعاً للفساد، وبناء على ذلك، فإن ما أعلنه وزير التموين هو توريد 5.3 مليون طن قمح بالفعل، ولكن ليس محلياً فقط وإنما مستورد أيضاً، وهذه مغالطة تؤكد أن التجار يضحكون على الحكومة. ■ وكيف تواجه الحكومة تلك الأزمة؟ - يجب اتخاذ قرار فورى بحظر توريد القمح إلى المطاحن، والتوريد فقط يكون للشون والصوامع ليتم فحصه جيداً من خلال لجان فنية متخصصة للفرز والصلاحية، فهيئة السلع التموينية ليس من مهامها استيراد القمح وتوريده إلى المطاحن، لكن يجب أن تكون مهمتها الأساسية الاحتفاظ بمخزون استراتيجى آمن من السلع، وهى حالياً غير مؤهلة للقيام بتحديد احتياجاتنا من المخزون الاحتياطى الاستراتيجى، لأنها غير مؤهلة فنياً، وتحتاج إلى إعادة هيكلة إدارية وفنية.[ThirdQuote] ■ هاجمت قانون الاستثمار الجديد.. فلماذا؟ - للأسف، الحكومة تهرول وراء الاستثمارات الأجنبية ورجال الأعمال العرب والأجانب، وتقدم لهم المزايا والعطايا على حساب المستثمر المحلى، فالمادة 14 من قانون الاستثمار الجديد ترسّخ للفساد وتعيد إلى الأذهان عصر «مبارك» الفاسد، وتضيف مناخاً من عدم الشفافية، فهل ينكر عاقل أن الدولة استفادت مادياً من الطعن على عقد «مدينتى» وبطلان عقد البيع، وإعادة التسعير العادل لثمن الأرض الحقيقى؟ المادة 14، التى تنص على أنه «يحق لأطراف التعاقد دون غيرهم الطعن ببطلان العقود التى يكون أحد أطرافها الدولة أو أحد أجهزتها من وزارات ومصالح وأجهزة لها موازنات خاصة ووحدات الإدارة المحلية والهيئات والمؤسسات العامة والشركات التى تمتلكها الدولة أو تسهم فيها أو الطعن بإلغاء القرارات أو الإجراءات التى أبرمت هذه العقود استناداً إليها، وكذلك قرارات تخصيص العقارات ما لم يكن قد صدر حكم بات بإدانة طرفى التعاقد أو أحدهما فى جريمة من جرائم المال العام»، هذه المادة تكرس باباً جديداً للفساد، وكذلك المادة 16 من القانون، التى تحظر إقامة دعوى جنائية أو اتخاذ أى من إجراءات التحقيق فى الجرائم المنصوص عليها فى الباب الرابع من الكتاب الثانى من قانون العقوبات، التى ترتكب من المستثمر بصفته أو بشخصه أو التى اشترك فى ارتكابها، وذلك فى نطاق أحكام هذا القانون، إلا بعد موافقة مجلس إدارة الهيئة العامة للاستثمار، وهذا يتنافى مع دولة تطبق القانون.