مقدمته المنشطرة تطل من الماء على إحدى ضفتى النيل على بعد 150 متراً من موقع اصطدامه، بينما لا يزال معظمه تغمره المياه، يتجمع حوله المئات من الأهالى والباحثين عن ذويهم المفقودين. 13 متراً بعرض مترين ونصف المتر، مطلى باللون الأبيض، لا تزال هناك قطع من أسلاك ومصابيح الزينة عالقة بأحد جوانبه، تقطعت الأسلاك وأطفئت المصابيح وصمتت مكبرات صوته التى كانت لا تتوقف عن بث الأغانى الشعبية، وانتهت حياة معظم من كانوا على متن المركب، فيما لا يزال الغواصون فى قاع المياه فى رحلة البحث عمّن فقدوا فى هذا الحادث.
على الضفة المقابلة لحديقة النيل فى الوراق التى يستقر بها مرسى مراكب التنزه، كان يجلس «أحمد. ص»، صياد من أهالى جزيرة الوراق يبلغ من العمر 32 سنة، من أوائل من هرعوا لإنقاذ من كانوا على متن المركب، انتشل 5 جثث من القاع وربط المركب الغارق بـ«الدفّاع» الذى صدمه حتى لا تجرفه المياه بعيداً، يرى أن المسئولية تقع على عاتق الجميع وحتى أصحاب المراكب فى المرسى الذين لم يلتزموا بحد أقصى لحمولة الركاب إلى جانب شرطة المسطحات التى لم تراقب حمولتها، ويقول: «المركب دى 13 متر وحمولتها ما تزيدش على 20 فرد لكن كانت محملة بأكثر من 30 ومحدش كان بيراقب على حمولتها اللى بتبقى مكتوبة فى الرخصة».
مرسى حديقة النيل بالوراق صغير وليس به سوى 4 مراكب صغيرة للتنزه، أصغرها 13 متراً وأكبرها 16 متراً، مخصصة للتنزه وتخدم أهالى المنطقة فى الأعياد والمناسبات، جنيهان فقط سعر التذكرة، التى تأخذك فى جولة صغيرة لدقائق معدودة فى مساحة صغيرة أمام المرسى، ثم يعود إلى المرسى لينقل حمولة أخرى، لكن فى الأعياد والمناسبات تبدو حمولتها أكثر، وجولاتها أقل وقتاً: «فى الأيام العادية بتبقى الحركة بسيطة ومش كبيرة إنما فى الأعياد والمناسبات بتبقى زحمة ومحشورة بالعيال والأهالى لأن ده الموسم بتاعها». لا تتوافر إجراءات السلامة فى كل المراكب، حيث تقتصر السلامة بالنسبة لأصحاب المراكب فى أعداد «الإطارات» الملحقة بالمركب بينما يتجاهلون الحد الأقصى للحمولة لتحقيق أرباح ومكاسب، وهذا الحال ليس بجديد على مرسى الوراق بل وبعض المراسى الأخرى. ويضيف «أحمد» أن إجراءات السلامة من عدد الإطارات الموجودة على المركب لم تكن كافية لأن «الدفّاع» أو «الصندل» لم يمنح فرصة للمركب لاستخدام الإطار أو اتخاذ أى قرار لإنقاذ من كان على متنها بقوله: «الدفّاع كان لونه غامق وماشى بالليل فى ميعاد محظور إنه يمشى فيه فخبط المركب وقلبه وداس عليه ما اداهوش فرصة حتى يستخدم أى حاجة». وأشار إلى أن المركب لو كان ملتزماً بالعدد المخصص له كان سيقلل من حجم الخسائر فى الأرواح، قائلاً: «المركب مكنش فيه مكان للناس تقعد وكان فيه ناس واقفة وبترقص، وكله اتقلب فى الميه فى ثوانى». ويتابع «أحمد»: «فرق الإنقاذ تبحث بعد مرور أكثر من عشر ساعات على الجثث فى موقع الحادث»، وطالب بنقل مواقع البحث إلى مسافات بعيدة فى اتجاه التيار، متوقعاً أن يكون التيار جرف الجثث إلى مسافات لا تقل عن كيلومتر: «التيار هنا شديد والمفروض يدوّر بعيد والبحث هنا ما بقاش ليه فايدة». عربات الإسعاف اتخذت من أمام حديقة النيل موقعاً لها، يجلس على عبدالتواب، أحد الأهالى المعتادين على التردد على الحديقة، متابعاً بعينين زائغتين النشاط المحموم للصيادين ورجال فرق الإنقاذ فى البحث عن جثث المفقودين: «المراكب طفشت من إمبارح بعد الحادثة، وكأنهم كلهم كانوا متلبسين، اللى على راسه بطحة بيحسس عليها». كان يطالب دائماً برقابة على مراكب التنزه، وأشار إلى أنها كانت تعمل فى حالة عشوائية لا رقيب ولا أحد يحاسبها، وطالب بمراقبتها وتفتيشها بصورة دورية، وقال: «زمان كنا بنشوف شرطة المسطحات بتفتش على كل مركب تشوفه وتخش تفتشه تعرف مين فيه وجواه إيه، إنما دلوقتى الحكومة مش فاضية لينا، لأن وراهم إرهاب بيقولوا». ويطالب «عبدالتواب» بمحاسبة سائق «الصندل» الذى سار فى غير ميعاده واصطدم بالمركب، وأن تصدر ضده أشد عقوبة، وعلى من أمره بنقل الحمولة أو السير ليلاً فى وقت حظر السير. وأضاف: ليست مراكب الوراق فقط بل مراكب أخرى تسير من القناطر إلى التحرير تحمل «مشبوهين».