من "التظاهر" لـ"الخدمة المدنية".. تشريعات أثارت جدلا بعد 30 يونيو
في ظل غياب البرلمان بعد ثورة 30 يونيو، امتلك الرئيس السابق عدلي منصور ومن بعده الرئيس عبدالفتاح السيسي، صلاحيات السلطة التشريعية التي فرضت عليهما إصدار بعض التشريعات، ما آثار المزيد من الجدل بين مؤيد ومعارض، وأضفى على الساحة السياسية صراعًا لا زال قائمًا حتى الآن.
فخلال عام 2014، أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور 48 قانونًا أثارت بعضها الجدل في الساحة السياسية، كان منها قانون لتنظيم بعض إجراءات الطعن على عقود الدولة، وقانون بتنظيم الانتخابات الرئاسية وتحصين قرارات لجنتها في عام 2014، بعد أن تم تعديل أحكام قانون العقوبات في تهمة إهانة الرئيس في 2013.
ويظل قانون تنظيم الانتخابات صاحب النصيب الأبرز من الجدل، حيث نصت مادته الخامسة على منع الأحزاب من طرح مرشحين على نسبة ثلث المقاعد المخصصة للمرشحين المستقلين، ما أدى إلى وجود تناحر بين مختلف الأحزاب والقوى السياسية، قادها إلى التهديد بمقاطعة الانتخابات، كما أعطى القانون الضوء الأخضر لترشح أفراد نظام حكم مبارك، خاصة أعضاء الحزب الوطني المنحل وأعضاء مجلسي الشعب والشورى، الذين يمكن أن يعودوا إلى المجالس التشريعية من بوابة المستقلين، ما أذهب بممثلي الأحزاب للاعتراض والمطالبة بضرورة فرض عزل سياسي.
ويأتي قانون التظاهر رقم 107 لسنة 2013، الخاص بتنظيم الحق في الاجتماعات العامة والمواكب والتظاهرات السلمية، على رأس القوانين التي أصدرها منصور، ومازالت محل انتقاد ورفض من السياسيين والحقوقيين وشباب الثورة، الذين اعتبروا القانون يقضي على مكتسبات ثورة 25 يناير و30 يونيو المتعلقة بحق التعبير السلمي عن الرأي الذي انتزعه الشعب بحراكه بالشارع وتضحياته.
وشهد قانون التظاهر، اعتراضات للقوى السياسية والمنظمات الحقوقية، منها المجلس القومي لحقوق الإنسان، وبعض الأحزاب، والحركات السياسية، فيما وافق عدد من الأحزاب على القانون، وخرجت مظاهرات ضد قانون التظاهر، وتم القبض على الكثير من الشباب بموجب القانون الذي تستمر إلى الآن المطالبات بإسقاطه.
أيضًا آثار مشروع قانون مكافحة الإرهاب حالة من الجدل ووجهت آلية انتقادات مختلفة إليه بسبب نصوصه التي يراها البعض أنها مقيدة للحريات ومخالفة للدستور، حيث تضمن معاقبة الصحفي بالسجن لنشره أخبار مخالفة للبيانات الرسمية، كما تتيح المادة 8 من القانون إطلاق الشرطة نيرانها على مجموعة تشك في إرهابهم، وأيضًا تضمن معاقبة المرتكب للعمل الإرهابي مدة لا تعقل عن 10 سنوات وقد تصل إلى المؤبد والإعدام.
وهو ما اعتبره حقوقيون وقوى سياسية في بيانات صدرت عنهم إهدارًا لحقوق المتهم، واعتداء على ضماناته وحقوقه خلال المحاكمة، وجعله عرضة للسجن لفترات طويلة، دون أن تثبت إدانته أو تورطه في الجرم الذي يحاكم بسببه.
أما قانون تقسيم الدوائر، الذي أصدره الرئيس السيسي فقد آثار ضجة بلبلة لا تزال باقية حتى الآن بسبب قرب موعد تشكيل البرلمان، ووفقًا للقانون، تم تقسيم الجمهورية للمقاعد الفردية إلى 232 دائرة مقسمة إلى ثلاث فئات، 79 دائرة لمقعد واحد، و118 تمثل بمقعدين، و35 تمثل ثلاثة مقاعد، وبالنسبة للقوائم تم تقسيم الجمهورية إلى أربع دوائر، ولكل محافظة في نظام القوائم نصاب محدد من المقاعد.
وبالنسبة للفئات المميزة، فهناك 6 فئات هي: "المرأة، المسيحيين، الشباب، المصريون في الخارج، ذوو القدرات الخاصة، العمال، الفلاحون"، وتُمثل هذه الفئات بعدد 24 على الأقل للأقباط، و16 مقعدًا للشباب، ومثلها للعمال والفلاحين، أما ذوو القدرات الخاصة، والمصريين في الخارج، فلكل من الفئتين 8 مقاعد، أما المرأة فلا يقل نصيبها عن 21 مقعدًا، بالإضافة إلى جمعها صفة أخرى.
أثيرت ضجة تصريحات متضاربة من القوى السياسية حول القانون، فمنهم من رأى أن خريطة الانتخابية المتوقعة وفقًا للقانون الجديد تشير إلى إعادة إنتاج برلمان مشابه للبرلمانات السابقة يغلب عليه نواب الخدمات المحلية أو الرشاوي الانتخابية أو المصالح الذاتية أو الوجاهة الاجتماعية أو التيارات الدينية، والبعض الآخر رأي فيه إقصاء واضح للشباب والمرأة.
وتصاعد الجدل أيضًا مع القانون الذي أصدره الرئيس السيسي وحمل رقم 140 لسنة 2014 الذي بمقتضاه يحق لرئيس الجمهورية تسليم المتهمين الأجانب بمصر ونقل المحكوم عليهم منهم إلى أي دولة، واعتبره البعض صدر خصيصًا من أجل تسليم صحفي الجزيرة في ظل الضغوط الدولية، معلنين رفضهم له، معتبرين أنه يمس سيادة مصر في تطبيق القانون على أراضيها ويتعارض مع أحكام القانون والدستور ومع استقلال السلطة القضائية.
وفى نوفمبر الماضي، أصدر الرئيس السيسي قانون رقم 136 لسنة 2014، وبموجبه منح القانون للقوات المسلحة صلاحية المشاركة في تأمين المنشآت العامة والحيوية، بما في ذلك محطات وشبكات أبراج الكهرباء وخطوط الغاز وحقول البترول وخطوط السكة الحديدية وشبكات الطرق والكباري وغيرها من المنشآت والمرافق والممتلكات العامة، وما يدخل في حكمها، واعتبار هذه المنشآت في حكم المنشآت العسكرية طوال فترة التأمين والحماية التي تمتد لعامين، ونظر الكثير من الحقوقيين لهذا القانون على أنه يقضي على عمل شركات الحراسة.
وأخيرًا تضمن أيضًا قانون الخدمة المدنية الجديد الصادر بقرار من رئيس الجمهورية رقم 18 لسنة 2015 بدلًا من قانون رقم 47 لسنة 1978، العديد من البنود التي أثارت بلبلة بين أوساط الموظفين والخبراء، بعد شهر من إقرار القانون وإحالة العديد من مواده إلى اللائحة التنفيذية لبيان ضوابط تنفيذها، ومن بين تلك المواد "السماح لغير المصريين بالعمل داخل الجهاز الإداري" و "استثناء القطاع الخاص وقطاع الأعمال من القانون" و" وضع الموظف تحت الاختبار من تاريخ تعيينه لمدة 6 أشهر".
بدوره، قال محمود كبيش العميد الأسبق لكلية الحقوق بجامعة القاهرة، إن مجموعة هذه القوانين التي أُصدرِت في ظل غياب البرلمان سيتم إعادة نظرها بمدة لا تزيد عن 15 يومًا من تاريخ انعقاده، مشيرًا إلى أن الجدل أثير حولها جميعًا بسبب كثرتها الفائقة للحدود.
وأضاف كبيش، لـ"الوطن"، أنه من المفترض بت الرؤساء في التشريعات الطارئة وإصدارها بسرعة في حالة عدم وجود برلمان، إن كانت مطروحة في حالات الضرورة القصوى فقط، لافتًا إلى أن البعض رأى تحمل هذه القوانين للانتظار، وبالتالي كان الجدل بسبب تسرع الرؤساء في إصدار هذه القوانين.