الحج للأوطان.. وكان حقا على مصر نصر الفلسطينيين
ليس هناك أغبى من كيان مغتصب، وحكومة عنصرية وجيش يمارس الإبادة الجماعية ضد مواطنين عُزل، جلهم نساء وأطفال وشيوخ.
وليس هناك أشجع من شعب بطل ثابت على أرضه متمسك بحقه مناضل في تحقيق حلم دولته المستقلة، ما زالت أجياله المتعاقبة تدفع الأثمان من دمها، لكن ليس من كرامتها.
أصرت حكومة الاحتلال العنصرية على عودة أهل الشمال مشيا على الأقدام لمسافة 14 كيلومترا، فرد عليهم الأبطال من أهل فلسطين بمشهد هز الوجدان العالمي وزلزل مشاعر الأسوياء، وكتب سطرا جديدا في الوطنية، ورسّخ لأجيال قادمة فكرة أن الوطن هو قدس الأقداس، وأنّ وطنا مهدوما للوطنيين خير من كنوز الدنيا وما فيها، وخير من أموال أجهزة الاستخبارات.
المشهد أعظم من أن يوصف وأقدس من أن يوثق.. هو الزحف المقدس.. هو العودة الهادرة.. هو الإصرار الفريد.. هو الحج للوطن بكل ما تحمله الكلمة من معنى وجلالة وإجلال.
هو حج القلوب نحو ركام كالقصر، هو حج العقول نحو أرض كالجنة، هو حج الروح نحو ذكريات محصنة من قصف المدافع الثقيلة والقنابل الغبية.
هي لحظة فارقة، ونقطة تحول تفرز الثابتين على المبدأ، القابضين على الجمر، وبين حمقى ظنوا -وهنا الظن كله إثم- أن الموقف المصري قد يجنح نحو التفكير، والمراجعة والبحث، ففوجئ الخونة قبل المترددين أنّ لمصر عزيمة، وأنّ لمصر شعبا نابضا قد يختلف على أولويات، قد يتجادل على ثانويات، لكنه أبدا لا يختلف على قيمة وقدر الوطن.
الوطن مصر للمصريين مثله مثل الوطن فلسطين للفلسطينيين، هو نفسه الوطن عند كل شعب يعرف قيمة وقدر كل ذرة تراب كانت تدهسها قدماك كل يوم وأنت عائد لمنزلك، وفي لحظة تتحول لياقوت ومرجان.
ضربت مصر لكم من نفسها المثل والمثال، وأعلنت الموقف والمقام، ورفعت راية الحق والمبدأ، وأنها لا ترتضي لأحد أقل مما ترضاه لنفسها، كما تفعل دوما منذ 30 يونيو 2013.
نعم هناك شبه عظيم، عندما اهتز العالم كله من صوت المصريين في ميادين المحروسة كلها، وقت أن زحفوا بالملايين، حاملين أرواحهم على أياديهم، واثقين في خير أجناد الأرض، لاستعادة الوطن المسلوب من جماعة إرهابية ارتكبت نفس حماقة الجماعة الصهيونية الحاكمة في تل أبيب.
خرج كل الفلسطينيين من كل بقعة غالية في غزة إلى البقعة الأغلى على قلوبهم وعقولهم وأرواحهم في غزة، تماما كما خرج كل المصريين من كل بقعة غالية في مصر المحروسة نحو الميادين الأغلى التى رجّ فيها هتاف «تحيا مصر».
وما أشبه اليوم بالبارحة، وأيضا بغد، عندما تتعلق المسألة بالوطن، فلا سبيل لخلاف، ولا مجال لتناحر، ولا فرصة لمناقشة فكرة أن تعيش بلا وطن، أو أن يكون الوطن بين يديك وتسمح أن يُسرق منك بليل.
أصدق الكلمات هي كلمات الشعوب في وقت المحن عندما تُهدَّد الأوطان، أنبل المشاعر هي مشاعر شعب أدمت قدماه على طريق العزة والكرامة والتشبث بتراب الأرض.
العودة حق.. وكان حقا على مصر نصر الفلسطينيين.. وهكذا فعلت.. وعلى الشرفاء فعل ذلك.