محاولات التفريغ الست لقطاع غزة

مصطفى كفافي

مصطفى كفافي

كاتب صحفي

المحاولة الأولى.. وجه الأونروا الحقيقي في نوفمبر 1951 وبعد نحو عامين من تأسيس الأمم المتحدة لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين المعروفة (بالأونروا).. اقترح مديرها الجديد جون بلاندفورد برنامجاً ميزانيته 200 مليون دولار لنقل 150 ألف فلسطيني للبلدان العربية المجاورة عبر ثلاث سنوات.

وأيدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطته بقرارها رقم 513 في 26 يناير 1952. وحين عرض بلاندفورد على مصر خطته بتوطين الفلسطينيين في سيناء، مؤكداً أنه سيتكفل بالمشاريع الإنشائية.. رفض الطلب بشكل قاطع وكان سبباً في اشتعال ثورة عام 1955 في غزة.. عرفت بـ«هبَّة مارس»، وعكست رفض الفلسطينيين إبعادهم عن ديارهم.

المحطة الثانية.. خطة بن جوريون لتفريغ غزة

كشفت تسريبات من الحكومة البريطانية نشرتها BBC في أكتوبر 2023 عن تحركات رصدتها السفارة البريطانية في تل أبيب عام 1971 لخطة تعتزم تهجير سكان غزة لمدينة العريش بهدف تخفيف حدة العمليات الفدائية.. إلا أن سرعة عودة سيناء لمصر بعد انتصار أكتوبر عرقل الخطة.. ثم تكرر الطلب في مفاوضات كامب ديفيد 1978 ورفضه السادات بشكل قاطع.. ثم عاود التكرار الإعلام الغربي كثيراً.. وكان أشهر رد له حينها عندما سئل من صحفي أمريكي عن رأيه في (تعمير) صحراء سيناء بالفلسطينيين.. وجاء الرد بشكل حازم: وهل تقبلون منح الصحراء الأمريكية لأي طرف يريده؟

المحاولة الثالثة: جيورا أيلاند والنقب

عام 2008 قدم الجنرال الإسرائيلي جيورا أيلاند إلى (مركز بيجين السادات للدراسات) خطة لحل مشكلة التوترات الأمنية عبر نقل الغزاويين إلى مثلث يبدأ من «رفح. الشيخ زويد. العريش شمالاً. واتصالاً بإسرائيل في الجنوب عند معبر كرم أبوسالم»، على أن تتكفل إسرائيل بإنشاء ميناء بحري في العريش ومعبر للبضائع ومطار في كرم أبوسالم.. وتمنح مصر مساحة مماثلة بصحراء النقب.

وقال «مبارك» نصاً في تسريب صوتي له من المستشفى أذيع عام 2017 على قناة صدى البلد: «نتنياهو جه قبل ما أمشي من الرئاسة بـ6 أشهر، وقال عايزين حتة للفلسطينيين في غزة، وشاور بصباعه على سيناء، ورديت عليه فوراً: «انسى الموضوع ده، هتبقى مشكلة بينا وبينكم، إلا لو عايز حرب بينا تاني، الحدود لا أنا ولا اللي أتخن منى يقدر يقدمها ليهم».

المحاولة الرابعة: شركة البراق

عقب استيلاء الإخوان على الحكم.. تبنى الرئيس المخلوع محمد مرسي مشروع «شركة البراق» لتوطين مليون أسرة فلسطينية في مليون وحدة سكنية في سيناء. وطالب بأن تكون الأولوية باستضافة مَن يتم قصفهم من إسرائيل، وقد تنبه جهاز المخابرات المصري إلى أن ممولي المشروع ثلاث قيادات من حركة حماس.. إلا أن إحباط الخطة كان هدفاً عجَّل بقيام ثورة 30 يونيو.

المحاولة الخامسة: «داعش» الأمريكية

في سيناء من 2013 حتى 2018.. ظهرت على أرض سيناء عدة جماعات جهادية في رفح والشيخ زويد على رأسها تنظيم داعش وكان الهدف أن تكون صداعاً في رأس نظام السيسي الجديد حتى يسهل الحصول على هذه الأرض.. إلا أن كافة هذه المخططات اقتلعتها مصر تماماً من جذورها المالية والعسكرية.. ووسط هذا ينكشف ممول المخطط في المناظرة الانتخابية التي اتهم فيها «ترامب» عام 2016 كلينتون وأوباما بأنهما من سلَّحا ودربا التنظيم لإسقاط الحكومات العربية!!

المحاولة السادسة: إلحاح «ترامب» ورفض السيسي

الطريف هنا أن «ترامب» الذي شاهد فشل المخطط العسكري لبلاده في سيناء.. يطلب من مصر الآن استيعاب سكان غزة فى سيناء... إلا إنه لم يدرك أن الموقف المصري ثابت لم يتزحزح عن مطالبته بمبدأ «حل الدولتين» على حدود 4 يونيو 1967 وأن أي تحرك لا يضمن هذا الحق مرفوض تماماً وخصوصاً إن تعلق بالتهجير لسيناء.. حفاظاً على الحق في الأرض.

وعلى أية حال.. إذا كانت هذه هي المحاولات الست الموثقة التي كُشف عنها النقاب.. إلا إن التاريخ ربما تكشف أوراقه لاحقاً خططاً أكثر فجاجة للتعاون الغربي لتنفيذ الحلم الإسرائيلي «بالاستيلاء على كامل حدود فلسطين التاريخية».. على حساب الجغرافيا العربية.