د. محمود خليل يكتب: زمان وكان ياما كان
د. محمود خليل يكتب: زمان وكان ياما كان
هل الزمن الجميل «جميل» لأنه «متميز وإيجابى ومتألق» أم لأنه «قديم»؟ أظن لأنه «قديم» أكثر من كونه «جميلاً». فمُضى الأيام يُكسب الأشياء قيمة قد تفوق قيمتها لحظة إنتاجها أو وقت ميلادها وانتشارها. فالزمن يكسب الأشياء رونقاً خاصاً بعيداً عن إمكانياتها الجمالية الواقعية.
من يراجع الصحف أواخر حقبة الخمسينات وخلال حقبة الستينات من القرن الماضى سيجد عجباً حول بعض الأعمال التى تحمل رائحة «الزمن الجميل» الذى نتحدث عنه، والتى ينظر إليها الآن بأقصى درجات التبجيل والاحتفاء. على سبيل المثال فيلم «حكاية حب» للراحل عبدالحليم حافظ وجميلة الشاشة العربية «مريم فخر الدين» رحمهما الله سيجد العديد من المقالات الصحفية التى تنتقد أداء الممثلين داخل الفيلم، فالجميلة «مريم» كانت من وجهة نظر بعض الكتاب تمثل وهى «لسة قايمة من النوم» فتبدو فى العديد من المشاهد ناعسة، تغالب النوم، وتغمض عينيها عدة مرات فى محاولة ظاهرة لـ«التسبيل الرومانسى»، أما عبدالحليم فيبالغ فى التعبير عن شخصيته فى الفيلم كمطرب شاب مريض مهدد بالموت من أجل استدرار عطف الجماهير. خلال هذه الحقبة والحقبة التى تلتها (السبعينات) كانت بعض الأقلام تردد أن عبدالحليم يصطنع المرض أو يبالغ فى التعبير عن مرضه ويذهب إلى لندن قبل حفلته السنوية فى شم النسيم حتى يستغرق الناس فى الحديث عن حالته الصحية كنوع من الدعاية لحفلته السنوية.
إسماعيل ياسين -هو الآخر- واحد من أبرز نجوم الزمن الجميل الذى نستعيد أفلامه حتى الآن، ويدمن البعض الفرجة عليها ومشاهدتها. لم ينج هذا الضاحك الباكى من انتقادات لاذعة وُجهت إليه عبر مقالات صحفية فى الخمسينات والستينات وصفته بالأرجزة، وتعجبت من توجهه نحو الإضحاك من أجل الضحك، وأنه يستخدم حركات وجهه من أجل زغزغة الجمهور بكوميديا بعيدة أشد البعد عن كوميديا الموقف. كان إسماعيل ياسين -رحمه الله- يجد بالطبع من يدافع عنه، وله جمهوره الذى يحبه، تماماً مثل عبدالحليم حافظ ومريم فخر الدين وغيرهم من نجوم ذلك الزمن، لكن كان هناك من يهاجمهم ويرى منتجهم الثقافى، الذى يجد الاحترام والحفاوة اليوم، منتجاً ضعيفاً استهلاكياً متهافتاً. والأمر نفسه ينطبق على الكثير من نجوم الغناء الذين كانوا شباباً فى السبعينات، وظهروا بعد أن غيّب الموت كبار مطربينا: فريد وأم كلثوم وعبدالحليم حافظ، فقد كان هناك العديد من الانتقادات التى توجه إلى فنهم الذى نعتبره الآن فناً منتمياً إلى الزمن الجميل. الشاهد أن كل ما ينال الاحترام والتبجيل اليوم من منتجات فنية وثقافية تنتمى إلى الماضى كانت تواجه بانتقادات، أحياناً ما كانت شديدة الحدة، فى حينها، لكن مضى الأيام ومرور السنوات أكسبها قيمة، أو باتت منتجاً ينطبق عليه المثل الإنجليزى الذى يقول: «الأشياء القديمة مثل الذهب فى القيمة».
تلك سُنة الله فى خلقه والتى قضت بأن يكون للماضى سحره وعبقه.. والمثل المصرى يقول: «لما راح المقبرة بقى فى حنكه سكرة».