د. محمود خليل يكتب: الكائنات «الهُمزة اللُمزة»

كتب: أحمد فكري

د. محمود خليل يكتب: الكائنات «الهُمزة اللُمزة»

د. محمود خليل يكتب: الكائنات «الهُمزة اللُمزة»

ثلاثة توجيهات رفيعة اشتملت عليها الآية القرآنية -من سورة «الحجرات»- التى تقول: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».

التوجيهات الثلاثة التى تشتمل عليها الآية الكريمة تستطيع -حال الالتزام بها- الارتقاء بالتعاملات داخل كافة الجماعات: جماعة الأسرة، وجماعة الأصدقاء، وجماعة الأقارب والمعارف، وجماعة العمل، وجماعة الجيران، وكل أشكال الجماعات الأخرى.

يتعلق التوجيه الأول بضرورة احترام الأفراد لبعضهم البعض، فقد نهت الآية أول ما نهت عن السخرية أو التنمر ما بين أفراد أى جماعة، سواء كانوا رجالاً أو سيدات، شباباً أو فتيات، ولعلك تعلم ما تؤدى إليه السخرية والتنمر على الآخرين من استنفار لمشاعر الكراهية وتكوين الضغائن ما بين البشر.

فالتعاملات ما بين أفراد أى جماعة لا بد أن تقوم على الاحترام والرحمة وليس على السخرية وتصغير الشأن أو تصفير الوجه أو إهدار الكرامة.

ما أكثر ما تسقط بعض الجماعات فى هذا الشرَك، فتجدهم يختارون شخصاً من بين أفرادها يسلقونه بسخريتهم الحادة ويضحكون على ذلك غير آبهين بمشاعره أو بأحاسيسه أو يغمزون فى حقه بكلمات تشير إليه وتنطوى على قدر من النيل من شخصه.

كل هذه الأمور توتر العلاقات ما بين البشر، وتحوّل التعاملات الحسنة بينهم إلى صراعات ونزاعات قد تدفع بعضهم إلى أن ينشب مخالبه فى الآخرين.

التوجيه الثانى يتعلق بالنهى عن اللمز، وهو يعنى الطعن فى حق أو شرف الآخرين، فالمسلم منهى عن أن يطعن فى غيره، وما أجمل التعبير القرآنى الذى يصف ذلك بالطعن فى الذات، فالفرد المنتمى إلى أى جماعة حين يطعن فى غيره فإنه بالتبعية يطعن فى نفسه، وإلا ما معنى انتمائه إليها؟.

كائن «اللُمزة» وكائن «الهُمزة» من أكثر الكائنات طمعاً فى الحياة، وأشدها أنانية لأنهما يريدان إزاحة كل من حولهما باليد أحياناً «الهُمزة» وبالطعن باللسان فى أحيان «اللُمزة» من أجل تحقيق المغانم والمكاسب. قال تعالى: «وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِى جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ».. فالكائنات الهُمزة اللُمزة من الأنانية بحيث تحلم بأن تستأثر بكل خيرات الحياة لنفسها لتحرم منها غيرها.

التوجيه الثالث فى الآية الكريمة يتعلق بالنهى عن التنابز بالألقاب، فالمؤمن الحقيقى لا ينادى غيره أو يصفه بلقب يكرهه، بل بما يحب، على سبيل المثال لا يليق أن يصف المؤمن غيره بالفسق بعد أن هداه الله إلى الإيمان، ولا يليق أن يسقط فى هذا الفخ الذى يدفعه إليه الشيطان، وهو الذى نقّى الله تعالى قلبه بالإيمان.

ما أكثر ما يسقط البعض فى هذا المطب، خصوصاً بين جماعات الأصدقاء، حين ينادى بعض أفرادها الآخرين بألقاب يكرهونها ويبالغون فى إغاظتهم بها، متغافلين عن أثرها السيئ على العلاقات الإنسانية التى يجب عن تبتعد قدر الإمكان عن إثارة الأعصاب وخلق التوترات بين الأفراد.

لا تسخر من غيرك.. ولا تطعن فيه.. ولا تناديه بلقب لا يحبه.


مواضيع متعلقة