«أنس».. ابن الصورة والكاميرا الذي حلم بزيارة مصر والسفر لـ«الحج والعمرة»
«أنس».. ابن الصورة والكاميرا الذي حلم بزيارة مصر والسفر لـ«الحج والعمرة»
كان «أنس» الشاب الثلاثينى يعرف البحر كما يعرف ملامح بيته بمخيم جباليا شمال القطاع، سبّاح ماهر، يقطع المسافات الطويلة بثقة، ويتحدى الأمواج العالية وكأنها جزء من قدره، فى مياه غزة كان يجد مساحة حرية لا يملكها على اليابسة، متنفساً من الحصار وضيق الحياة، وإلى جانب البحر، كان ملعب كرة القدم ساحة أخرى يفرغ فيها طاقته، بروحٍ مرحة جعلته محبوباً بين عائلته وأصدقائه.
يقول «محمود»، شقيق أنس الشريف الذى يكبره بـ11 عاماً، إنه لم يكن رياضياً فحسب، بل كان أيضاً ابن الصورة والكلمة، حيث درس الصحافة والإعلام فى جامعة الأقصى، حالماً بأن تكون عدسته جسراً ينقل حكايات غزة للعالم: «بدأ مسيرته كمصور مستقل، يوثق فعاليات الفصائل الفلسطينية ومشاهد الحياة اليومية، ويحضر فى الصفوف الأمامية لمسيرات العودة، حيث التقط بكاميرته صوراً كثيرة جداً صارت معتمدة لأكبر الصحف ووكالات الأنباء فى العالم».
يروى الشقيق الأكبر أن «أنس»، كانت تربطه بمصر مشاعر خاصة، رغم أنه لم يزرها من قبل: «أنس ما سافر إطلاقاً خارج غزة، وكان حلمه زيارة مصر، كان كتير بيحبها وبيحب شعبها من صغره، ويخطط للسفر لها يوماً ما بعد انتهاء الحرب، وعندنا أقارب عايشين فى أرض الكنانة وكان شهيدنا يتوق لرؤية أم الدنيا على أرض الواقع».
الشهيد الذى لم يكمل عامه الثلاثين كان يتخيل نفسه واقفاً على كورنيش النيل، يلتقط الصور لليل القاهرة، ويزور مساجدها التاريخية وأسواقها القديمة: «كمان كان يتمنى أداء العمرة والحج ولو لمرة واحدة فى حياته، ويطمح يصير رحالة ويجوب العالم حاملاً كاميرته».
«محمود» الذى لم تتجاوز ذاكرته استشهاد شقيقه «شادى» قبل عدة سنوات، تلقى صدمة استشهاد والده قبل نحو عام، ليُفجع من جديد باغتيال «أنس» وإسكات صوته إلى الأبد: «يمكن فيه شىء كثير ما يعرفوه وهو إن أنس المرة الوحيدة التى شعر فيها بالذنب من كونه صحفياً هو وقت استشهاد الوالد، لأن الاحتلال كان يروج أنه قصف دارنا بسبب نشاط أنس الصحفى، وتعب لفترة طويلة بسبب هذا الاعتقاد»، يتابع بصوت يملؤه الفخر: «قلت له حينها إنه ليس له ذنب فيما حدث، أنت بطل وأكمل مسيرتك وتغطيتك، والاحتلال يقتل ويدمر ولا يحتاج لمبرر أو ذريعة».
لم يكن «أنس» بعيداً عن معاناة شعبه، إذ كان يعتبره الجميع بمثابة الأخ لهم: «رغم الضغوطات اللى كان يعيشها شقيقى لكن قلبه ضل مفتوح لعائلته وأبناء حارته وجميع من كان يطرق بابه، فكان يتقاسم دخله المحدود مع الجميع»، إذ كان بالنسبة لشقيقه الأكبر «محمود» السند والمستشار والصديق الأقرب، برغم فارق السنوات بينهما.. يشبك «محمود» أصابعه بينما يستقر بصره على الأرض قائلاً: «رحل أنس قبل أن تطأ قدماه أرض مصر، ويحقق حلمه أو يرفع يديه بالدعاء أمام الكعبة، شقيقى وحبيبى رحل تاركاً كاميرته صامتة وأحلامه معلقة».