مدينة «كانوبوس» تعود للحياة بعد 2000 عام من «الصمت» في قاع «المتوسط»
مدينة «كانوبوس» تعود للحياة بعد 2000 عام من «الصمت» في قاع «المتوسط»
فى لحظة تاريخية ستظل محفورة فى ذاكرة علم الآثار، عادت مدينة غارقة من أعماق البحر المتوسط لتروى قصتها بعد أكثر من ألفى عام من الصمت، من على شواطئ الإسكندرية، كانت الأنظار مُتّجهة إلى موقع انتشال أولى القطع الأثرية الغارقة، التى تم اكتشافها قبل ما يقرب من ربع القرن، حيث تمكنت بعثة الآثار المصرية من رفع تماثيل حجرية، وبقايا معمارية، من قاع خليج «أبوقير»، وسط مشهد أثار حماس الغواصين والمشاركين فى العملية على السواء.
وحسب تقرير لصحيفة «الجارديان»، فإن الحدث لم يكن مجرد عملية إنقاذ لقطع أثرية، بل كان استعادة لجزء من الذاكرة الحضارية المطمورة، إذ تشير الدلائل إلى أن الموقع المكتشف قد يكون امتداداً لمدينة «كانوبوس» القديمة، التى ازدهرت خلال حكم «البطالمة» لما يقرب من ثلاثة قرون، ثم فى العصر الرومانى، الذى استمر لستة قرون أخرى، ومع مرور الزمن، ابتلعت مياه البحر والزلازل تلك المدينة، ومعها الميناء الشهير «هيراكليون»، ليختفيا فى أعماق المتوسط، حتى جاء هذا الكشف ليعيدهما إلى دائرة الضوء.
خلال عملية الانتشال، شوهدت الرافعات العملاقة وهى تخرج من البحر ببطء، حاملة قطعاً حجرية ضخمة، فيما ارتفعت أصوات الغواصين بالهتاف والفخر، فقد نجحت البعثة فى استخراج خمس قطع أثرية رئيسية، من بينها تماثيل ملكية، وتماثيل على شكل «أبوالهول»، يعود أحدها إلى عهد الملك «رمسيس الثانى»، أحد أبرز ملوك الفراعنة، إضافة إلى بقايا معمارية، ورصيف بحرى بطول 125 متراً، كما تم العثور على مراسى حجرية، ورافعة، وسفينة تجارية، مما يعكس الأهمية الاقتصادية والتجارية للمدينة الغارقة.
وزير السياحة والآثار، شريف فتحى، الذى شهد العملية باعتبارها أول عملية لانتشال آثار غارقة، يجرى تنفيذها منذ 25 عاماً، أكد أن ما يتم استخراجه يخضع لمعايير علمية صارمة، إلا أنه قال إن الكثير من الكنوز الغارقة سيظل فى مكانه، حفاظاً عليه من التلف. وأضاف فى مؤتمر صحفى أمام القطع الأثرية التى تم انتشالها من قاع البحر المتوسط: «لا نستطيع أن ننتشل كل ما هو تحت الماء، القوانين الدولية واتفاقيات اليونيسكو تمنع ذلك، حماية للتراث، لكننا نُفكر فى حلول بديلة تسمح بالحفاظ على هذه الكنوز وإتاحتها للإنسانية».
من بين تلك الحلول، أشارت الصحيفة البريطانية إلى أن الوزير تطرق إلى مقترح بإنشاء متحف تحت الماء، قبالة خليج «أبوقير»، ليكون الأول من نوعه فى مصر والمنطقة، واعتبرت أن هذه الفكرة، التى لاقت صدى واسعاً بين الأثريين والمهتمين بالسياحة، تقوم على إتاحة الفرصة للزوار بالغوص، أو استخدام وسائل مشاهدة خاصة لمعاينة الآثار فى بيئتها الأصلية تحت الماء، كما تعمل على تحويل قاع البحر إلى متحف مفتوح وصالة عرض طبيعية، تروى قصة حضارة عظيمة، غمرتها المياه قبل نحو 2000 سنة.
الفريق أحمد خالد، محافظ الإسكندرية، شدّد فى كلمته، على أن هذه الاكتشافات لا تخدم فقط قطاع الآثار، بل تُعزّز مكانة الإسكندرية كساحل عالمى يستقطب السياحة الثقافية والبحرية، وأكد أن المحافظة تعمل بالتوازى على تطوير بنيتها التحتية السياحية، مشيراً إلى استكمال مشروع قطار «أبوقير» لربط شرايين المدينة، وهو ما يُعزّز من جاهزية الإسكندرية لاستقبال السياحة الدولية المرتبطة بالتراث المغمور.
أما الدكتور محمد إسماعيل خالد، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، فأوضح أن كثيراً من التماثيل المكتشفة بلا رؤوس أو أقدام، وهو ما يُرجّح تعرض المدينة لكارثة طبيعية، مثل «زلزال مفاجئ» أدى إلى انهيارها وسقوطها فى البحر. وأضاف أن هذه الاكتشافات تُمثل إضافة نوعية لفهم طبيعة الحياة فى المدن القديمة، التى كانت قائمة فى منطقة خليج «أبوقير»، حيث كان هناك تفاعل كبير بين النشاط الدينى والتجارى والصناعى.
وعلى هامش عملية انتشال القطع الأثرية الغارقة، أطلقت وزارة السياحة والآثار فعاليات ثقافية خاصة بالتراث المغمور، من بينها معرض مؤقت فى متحف الإسكندرية القومى، بعنوان «أسرار المدينة الغارقة»، بالإضافة إلى افتتاح مكتبة متخصّصة، تضم أكثر من 1100 كتاب حول الآثار المصرية القديمة واليونانية والرومانية والقبطية والإسلامية، إلى جانب كتب مُتخصّصة فى علوم الترميم والصيانة، هذه الخطوة اعتُبرت تعزيزاً لربط الاكتشافات الميدانية بالمجتمع الأكاديمى والثقافى.
وتبرز فكرة إنشاء «متحف تحت الماء»، ليس فقط كفكرة سياحية مبتكرة، بل كخيار استراتيجى لمواجهة صعوبة انتشال معظم القطع الأثرية وحمايتها من التدمير، فبينما تظل بعض القطع قابلة للعرض فى المتاحف التقليدية، فإن الغالبية العظمى من الآثار الغارقة ستظل أكثر أماناً فى موقعها الحالى، كما يجعل من قاع البحر نفسه صالة عرض فريدة، تتيح للزوار من مختلف أنحاء العالم تجربة غوص ثقافية فريدة، خاصة أن دولاً أخرى، مثل اليونان وإيطاليا، بدأت فى تطوير مشروعات مشابهة لمتاحف تحت الماء، وهو ما يمنح مصر فرصة للريادة الإقليمية فى هذا المجال، وإذا ما تم تنفيذ المشروع، فإن الإسكندرية ستجمع بين مكانتها التاريخية كمدينة أنشأها الإسكندر الأكبر، ودورها المعاصر كجسر حضارى يجمع بين الماضى والمستقبل، وبين اليابسة والبحر.
إلا أن «الجارديان» جدّدت التحذير من أحد أكبر التحديات الراهنة، التى تُهدّد حاضر ومستقبل الإسكندرية، والذى يتمثل فى ارتفاع مستوى سطح البحر نتيجة التغيّرات المناخية التى لم يمكن كبح جماحها، وذكرت أن المدينة التى تحتضن ثانى أكبر تجمّع سكانى فى مصر تتعرّض للغرق تدريجياً بمعدل يزيد على 3 ملليمترات سنوياً، وفق تقديرات للأمم المتحدة، وفى أفضل السيناريوهات، فإن ثلث الإسكندرية قد يصبح مغموراً تحت الماء، أو غير صالح للسكن، بحلول عام 2050، مما يعنى أن المدينة التاريخية، التى أنشأها الإسكندر الأكبر، قد تواجه نفس مصير مدينة «كانوبوس» وميناء «هيراكليون».
واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول إن ما شهدته الإسكندرية، الأسبوع الماضى، ليس مجرد انتشال لقطع أثرية، بل رسالة واضحة بأن حضارة مصر لا تزال تخاطب العالم من أعماق البحار، كما تخاطبه من على سطح الأرض. ومع استمرار جهود الكشف والحفاظ، قد تصبح المدينة الغارقة، التى طواها البحر قبل 2000 سنة، نافذة جديدة لتاريخ الإنسانية، ومصدر إلهام لمشروعات ثقافية وسياحية، قادرة على مواجهة تحديات الحاضر والمستقبل.