البيئة وعلاقات الدول (2)
ينتج حاصل ضرب قضايا البيئة فى نظريات العلاقات الدولية عدة مسائل مهمة، يمكن ذكرها على النحو التالى:
1 - أنسنة العلاقات الدولية: وهذه مسألة تبدو «طوباوية» فى ظل علاقات دولية تجنح إلى التنافس والصراع أكثر مما تميل إلى التعاون والتكامل، لكن لا يجب أبداً التخلى عن هذه الرؤية المثالية والكفاح من أجل تحقيقها، أو على الأقل الحد من غلواء الصراع، ودفع العالم إلى شريعة الغاب. وتجد هذه الرؤية ظلها فى «القانون الدولى الإنسانى»، الذى لم يكتفِ بتنظيم علاقات الدول وقت السلم، بل امتد إلى ساحات الحرب، لحماية المتضرّرين من النزاعات المسلحة. وجسّد قانونا «جنيف» و«لاهاى» هذا الأمر، فالأول يتعلق بحماية فئات مُعيّنة من الأشخاص والأموال الثابتة والمنقولة، فى حين ينظم الثانى استخدام وسائل القتال وطرقه وسلوك المتحاربين. وكل ما سبق يُمثل «قانون الحرب»، وهو الحد الذى لم يقف عنده فقهاء القانون الدولى، بل طرحوا مفهوماً أكثر تقدّماً، وهو «القانون المضاد للحرب»، أو منع «حق الحرب»، باعتبار أن حظر الحرب يجب أن يكون هو الأصل.
وتسير قضايا البيئة على المنوال ذاته، إذ إن الجهود التى بُذلت من أجل بيئة نظيفة وطبيعية، دارت فى الأساس حول علاقات دولية «إنسانية»، يتكاتف فيها البشر من أجل مصالحهم المشتركة، ويتعاملون فى الوقت ذاته برفق ورحمة مع الكائنات الأخرى التى تعيش معهم، من حيوان ونبات.
ويدل استعراض الاتفاقيات البيئية الرئيسية متعدد الأطراف Key multi-lateral environmental agreements على هذا الأمر بجلاء، فالاتفاقية الدولية لتنظيم صيد الحيتان (1946) تمكّنت بعد إقرارها بتسعة وثلاثين عاماً من تعليق صيد هذا الحيوان النادر لأغراض التجارة، وإقامة محميات طبيعية له. ومعاهدة أنتاركتيكا (1959) وما لحقها من اتفاقية وقّعت عام 1980 وبروتوكول مدريد (1991) عملت على حفظ الموارد الحية. وهناك اتفاقية ماربول (1973)، التى تضع قواعد تفريغ النفط وغيره من المواد الضارة من السفن، بما يحمى البحار من التلوث. وفى العام نفسه وقّعت اتفاقية لمنع الاتجار الدولى فى الحيوانات المهدّدة بالانقراض. وبعدها بست سنوات وقّعت اتفاقية للحد من التلوث الجوى. وفى عام 1985 وقعت اتفاقية فيينا لحماية طبقة الأوزون، ثم بروتوكول مونتريال (1987) المتعلق بالمواد المستنفدة من الأوزون. وبعد ذلك بخمس سنوات جاءت اتفاقية الأمم المتحدة حول «تغيّر المناخ»، تبعها بعد خمس سنوات أيضاً بروتوكول كيوتو حول المسألة نفسها. وقد أقرّت هذه الاتفاقية بالمسئولية التى تقع على عاتق البلدان المتقدّمة عن التغيّر المناخى الذى ينجم عن أفعال البشر، وفى عام 1992 وقّعت اتفاقية الأمم المتحدة المعنية بالتنوع الإحيائى، وبروتوكول قرطاجة بشأن السلامة فى التقنية الإحيائية.
ورغم أن هذه الاتفاقيات لم تلقَ تطبيقاً كاملاً، وتشهد انتهاكاً لبنودها، خاصة من الدول الكبرى، فإن النضال مستمر فى سبيل تنفيذ كل ما حوته، فى سبيل نفع البشرية جمعاء، وتعزيز الجانب الإنسانى فى علاقات الدول، ودفع الدول الكبرى إلى أن تلتفت إلى توجيه جزء من ميزانياتها الضخمة إلى البيئة، ودرء الكوارث، وإدارة الأزمات التى ينتجها «غضب الطبيعة»، ومساعدة البشر فى التغلب على الأخطار التى تحدق بهم، ومنها الأمراض الخطرة، بدءاً من «سارس» (الالتهاب الرئوى الحاد اللانمطى) فى آسيا، إلى «جنون البقر» فى أوروبا، إلى «الإيدز» و«السرطان» فى جميع أنحاء العالم.