الإدانة الحقيقية لضرب قطر
ربما يجب أن تُوجَّه الإدانة الحقيقية للضربة الإسرائيلية على العاصمة القطرية «الدوحة» فى المقام الأول للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لأسباب عدة، أولها أن الولايات المتحدة تمتلك واحدة من أكبر قواعدها العسكرية والجوية فى الشرق الأوسط، وهى قاعدة «العديد» فى قطر، وبها مقرات للقيادة المركزية الأمريكية والقوات الجوية الأمريكية وسلاح الجو الملكى البريطانى، ثانياً: أن هناك علاقات قوية استراتيجية تجمع كلاً من قطر والولايات المتحدة، وقد تجلت فى زيارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب لمنطقة الخليج وتصريحاته التى تنم عن توافق كامل بين بلده وبين دولة قطر. ثالثاً: قطر تتحمل جزءاً كبيراً من تكاليف تشغيل هذه القاعدة، وبالتالى فإنه على الولايات المتحدة حماية الدولة التى تضع قواعدها على أراضيها، وإلا فما الفائدة؟
لعل هذه الأسباب وغيرها تجعل الحليف الأمريكى لقطر مكلفاً بحمايتها وحماية حدودها وأمنها الداخلى والخارجى، ولعل هذا ما ذكره «ترامب» فى فترة رئاسته الأولى، حين قال: «يجب على دول الخليج أن تدفع الكثير من الأموال، لأننا نقوم بحمايتها!»، ولكن ها هى إسرائيل حليفة الولايات المتحدة تخترق حدود قطر وأراضيها وتنتهك سيادتها، وكل ما فعلته أمريكا هو تبليغ الدولة القطرية بالهجوم بعد وقوعه بعشر دقائق - كما جاء فى تصريحات رئيس الوزراء القطرى.
فى ٣١ يوليو من العام الماضى قامت إسرائيل بفعل مماثل داخل إيران، قتلت فيه قيادى «حماس» إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسى للحركة، ومن قبلها بعدة أشهر ضربت إسرائيل مبنى السفارة الإيرانية فى دمشق، وهو ما أسفر عن مقتل ١٦، منهم ضباط بالحرس الثورى الإيرانى، وكان تتبع إيران وضربها أو حتى ضرب قادة «حماس» على أرضها ربما يكون مبرَّراً، من وجهة نظر الغرب والولايات المتحدة، فهم على عداء مع الدولة الإسلامية فى طهران وأيضاً مع «حماس»، ولكن ماذا عن دولة يجمعها تحالف وتعاون وعلاقات مميزة، حتى إن أراضيها تقام عليها أكبر قاعدة أمريكية فى المنطقة؟
أعتقد أن ما حدث فى هذه الخطوة الخطيرة التى أقدمت عليها إسرائيل إنما تنسحب خطورته فى المقام الأول على دول الخليج، التى تربطها علاقات وثيقة بالولايات المتحدة الأمريكية، لكن الأخيرة لم تستطع -وهذا مع حسن الظن- حماية أحد أهم حلفائها فى الشرق الأوسط، أما الاحتمال الآخر فإنها تواطأت للقضاء على قيادات «حماس»، وهو ما لم تنجح فيه بالفعل، وبالتالى فإن الحماية الأمريكية لدول الخليج قد ثبت أنها مجرد أكذوبة فضحتها الضربة الإسرائيلية للدوحة، وأن الولايات المتحدة على استعداد لغض الطرف عن تصرف جنونى يُقدم عليه «نتنياهو» دون النظر لأى عواقب سياسية أو دولية.
الجميع الآن يتبادلون الاتهامات من أخبر من ومتى أخبره، ولكن كل هذا هراء، فالولايات المتحدة تتقاضى مبالغ طائلة فى مقابل حماية دول الخليج، ولكن ها هى مع أول اختبار قد فضلت فعل أى شىء حتى إن انتهك سياسة دولة صديقة، وحتى لو أغضب كل دول العالم، وحتى لو انتهك القوانين والأعراف الدولية فى مقابل أن يحاول «نتنياهو» محاولة فاشلة ربما تبقيه فى الحكم مدة أطول، بعد أن فشل فى غزة وفشل فى استرداد الرهائن الإسرائيليين، وقبل كل هذا فشل فى توفير الأمن لشعبه.
لكل هذا فإن اللوم والإدانة والغضب يجب أن توجه إلى الولايات المتحدة التى تساند هذا المجنون حتى وإن خسرت الأصدقاء والحلفاء قبل الأعداء.