استدعاء عبد الناصر

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

يظل جمال عبد الناصر، بعد مرور أكثر من خمسة عقود على رحيله عام 1970، حاضرًا في الوجدان العربي رمزا للكرامة والسيادة الوطنية والوحدة، مثّل لحظة استثنائية في التاريخ العربي الحديث، إذ استطاع أن يوحد الصفوف خلف راية القومية العربية، وأن يخوض معارك مصيرية ضد القوى الاستعمارية وضد إسرائيل، رافعًا شعار الاستقلال والكرامة فوق أي اعتبار.

وكانت تجربة الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958 أول محاولة معاصرة لترجمة الحلم العربي في دولة موحدة.

يستدعي المواطن العربي جمال عبد الناصر عندما تشتد الأزمات، استدعاء عبد الناصر المستمر مع كل أزمة عربية يكشف أكثر من مجرد حنين إلى الماضي.

إنه تعبير عن افتقاد الأمة العربية إلى القيادة التي تجمع ولا تفرق، وتقود ولا تُقاد، وتضع مصالح العرب فوق الحسابات الضيقة.

كلما تعرضت عاصمة عربية للعدوان، أو تفتت الصف العربي أكثر، يعود السؤال: أين عبد الناصر؟

غير أن استدعاء الماضي وحده لا يصنع المستقبل. فعبد الناصر نفسه لم يكن تكرارًا لمن سبقه، بل كان نتاجًا لظرف تاريخي خاص، ورؤية سياسية جسورة.

وبالتالي فإن الأمة، إذا أرادت أن تتجاوز أزماتها، بحاجة إلى استلهام مبادئ التجربة الناصرية لا الاكتفاء بالحنين إليها. المطلوب اليوم هو البحث عن مشروع قومي عربي جديد يواكب تحديات القرن الحادي والعشرين، يحفظ الكرامة ويعزز الوحدة ويصون الاستقلال، لا مجرد استحضار صورة الزعيم الراحل.

يمثل جمال عبد الناصر أحد أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ الحديث للشرق الأوسط، بُنيت شعبيته على مزيج من الكاريزما، وسياسات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي، وخطاب قومي معاد للاستعمار، مما جعل منه رمزًا للوحدة والكرامة العربية.

لكن استدعاء صورته في كل أزمة عربية يكشف عن فراغ قيادة وجمود مؤسسي؛ لذا يجب فحص ما في الإرث الناصري من أدوات عملية قابلة للتطبيق اليوم وما هو مجرد رمز حنين لا يقدّم حلولًا فعلية.

شكّلت نكسة يونيو 1967 نقطة تحوّل، فالهزيمة العسكرية والأثر النفسي والسياسي لعبا دورًا في تآكل موطئ القدم الإقليمي للتيار القومي والناصري، وإن بقي عبد الناصر زعيماً شعبيًا حتى وفاته في 1970.

كما بقى رمز السيادة والكرامة، وجسّد مقاومة النفوذ الخارجي وامتلاك قرار سياسي مستقل، سواء في تأميم قناة السويس أو وقوفه ضد محاولات التدخل.

هذه الصورة ملهمة في أوقات الاعتداء أو الإذعان الخارجي، وصار رمز الوحدة والقدرة على التعبئة، ونجحت سياساته وخطابه في تعبئة قطاعات واسعة من الجمهور العربي حول مشروع قومي يظهر كبديل عن الأنظمة التقليدية والولاءات الإقليمية.

عندما تبدو المؤسسات العربية ضعيفة أو متشابكة بالمصالح المحلية والخارجية، يتحول الناس إلى الاستدعاء الرمزي لشخص نجح في تحويل الطموحات إلى فعل دولي محسوس.

إن كثيرا من الذين ينادون بعودة عبد الناصر يقصدون بالأساس استعادة صورة القوة والكرامة، وليس الخطط التفصيلية لإدارة اقتصاد أو دبلوماسية معقدة اليوم.

الرمز يُشعر بالراحة لكنه لا يملك أدوات تنفيذية بمفرده، إن استحضار عبد الناصر قد يمدّ صفوفًا بعنصر شرعيّة رمزية فورية، ويخلق قدرة ظرفية على التعبئة الشعبية والدعم المعنوي، وهذا مهم في لحظات الانقسام أو الإذلال، لكنه لا يكفي، فالأزمات الحديثة تتطلب أدوات دبلوماسية متعددة الأطراف، مؤسسات إقليمية فعّالة، بنى اقتصادية متكاملة، وحلول قانونية دولية، أمور لا تُبنى بمجرد استدعاء رموز الماضي، النصر الرمزي قد يخفف الألم لكنه لا يعوّض عن وضع مؤسسي هزيل.

يبقى جمال عبد الناصر رمزًا مركزيًا في الذاكرة العربية، لأنّه جمع بين خطاب الكرامة ومشروعية المقاومة والتدخل في زمن تهيمن فيه قضايا التحرر الوطني على أجندة المنطقة.

لكن الاستدعاء المتكرر لصورته في كل أزمة يعمل كحنين أكثر منه خطة عمل. الحلول الواقعية للأزمات العربية اليوم لا تمرّ عبر استنساخ شخص، بل عبر استلهام المبادئ، السيادة، التضامن، الاستثمار الاجتماعي، وتحويلها إلى مؤسسات وسياسات مناسبة لظرف القرن الحادي والعشرين.

استحضار عبد الناصر مفيد كنقطة انطلاق أخلاقية وتوجيهية؛ غير أنّ النتيجة العملية تعتمد على قدرة الفاعلين العرب على بناء أدوات مؤسسية ودبلوماسية واقتصادية قادرة على الترجمة.

إن عبد الناصر علامة مضيئة، لكن تحويل إرثه إلى قوة فعلية مرهون بقدرتنا نحن العرب على تحويل الحنين إلى مشروع، والرمز إلى فعل، والذاكرة إلى مستقبل.