العالم يدخل مرحلة ما بعد الصعود.. «الشيخوخة الاقتصادية» تحكم النظام الدولي

كتب: محرر

العالم يدخل مرحلة ما بعد الصعود.. «الشيخوخة الاقتصادية» تحكم النظام الدولي

العالم يدخل مرحلة ما بعد الصعود.. «الشيخوخة الاقتصادية» تحكم النظام الدولي

لم يعد العالم كما عرفناه خلال القرن العشرين، زمن الصعودات المدوية للقوى الكبرى، والسباقات المحمومة على المجد والنفوذ، اليوم، تتباطأ معدلات الإنتاجية، وتنكمش الشعوب، وتزداد كلفة الغزو، بينما تفقد التكنولوجيا الحديثة بريقها الثورى، الذى صنع حضارة الصناعة، وغيّر وجه العالم، ولعل الصين، التى كانت آخر القوى الصاعدة الكبرى، بلغت ذروتها وبدأت رحلة التراجع، فيما أصاب «الجمود» كلاً من اليابان وروسيا وأوروبا منذ أكثر من عقد، أما الهند، فرغم شبابها السكانى، فإنها تفتقر إلى رأس المال البشرى والمؤسسى اللازم لتوظيف طاقتها، وهكذا دخل النظام الدولى مرحلة ركود عميقة، لم تعد فيها قوى صاعدة حقيقية، بل نادٍ مغلق من الدول العجوز، تحيطه أطواق من الاقتصادات النامية والمتعثرة.

وتحذر مجلة «فورين أفيرز»، فى تقرير لها، من أن نهاية «عصر القوى الصاعدة» لا تعنى بالضرورة عالماً أكثر استقراراً، بل ربما تكون نذيراً لمرحلة مضطربة، إذ تولّد الشيخوخة الاقتصادية والسياسية نزعات انتقامية، وتغذى التوسعية لدى القوى المتراجعة، وتفجّر صراعات على النفوذ والموارد، على نحو يشبه ما سبق كوارث القرن الماضى، مشيرةً إلى أنه قبل أكثر من قرن، حذر رئيس الوزراء البريطانى، اللورد سالزبورى، من انقسام العالم بين «أمم حية» وأخرى «آفلة»، فى ذروة سباق القوى الاستعمارية على اقتسام إرث الصين المتهالكة، كانت الأمم «الحية» آنذاك هى القوى الصناعية التى تتوسع سكانياً، وتبتكر تقنيات تقلب موازين الحرب والإنتاج، بينما كانت الأمم «الميتة» الإمبراطوريات العجوز التى تآكلها الفساد والعجز.

لكن منطق التاريخ انقلب اليوم رأساً على عقب، فقد جفّ نبع الصعود ذاته، وتوقفت دوامة التحولات الكبرى فى القوة، وانتهى عصر الطفرات السكانية والثورات التكنولوجية المتلاحقة، وبات الغزو العسكرى مخاطرة مكلفة بلا عائد، والعالم الذى كان يعتاد ظهور قوة جديدة كل جيل، بات نظاماً مغلقاً من دول هرمة، تحيطها دول عاجزة عن اللحاق، حيث فقدت التكنولوجيا الحديثة زخمها التحويلى، فبينما غيّرت الكهرباء والمحركات البخارية والنقل الحديدى وجه الحياة فى القرنين الماضيين، فإن الإنترنت والذكاء الاصطناعى لم يحققا بعد طفرة إنتاجية مماثلة، شقة الفارق بين منزل فى الأربعينات ومنزل اليوم لا تقارن بالفارق بين بيت فى سبعينات القرن التاسع عشر وبيت بعد سبعين عاماً، كما توقفت سرعة النقل عند حدود الطائرات والسيارات التى وُضعت قبل قرن، وما زالت الطاقة الأحفورية تمثل أكثر من 80% من الإمداد العالمى، رغم استثمار تريليونات الدولارات فى بدائلها، كما تراجعت إنتاجية البحث العلمى نفسها، رغم تضاعف أعداد العلماء عشرات المرات، إذ باتت تكلفة الاكتشاف ترتفع بوتيرة تفوق مردوده، حتى الثورة الرقمية، التى وُصفت بأنها المحرك الجديد للنمو، لم تحقق وعودها، بعد طفرة قصيرة فى أواخر التسعينات، عاد معدل نمو الإنتاجية إلى التباطؤ التاريخى، ورغم الضجيج حول الذكاء الاصطناعى، لا يتوقع الاقتصاديون أن يضيف أكثر من نقطة مئوية واحدة إلى النمو العالمى السنوى، لأن المشكلات البنيوية فى أسواق العمل والاقتصاد ليست رقمية، بل مادية واجتماعية.

وتعتبر الصحيفة الأمريكية أن العالم يبدو مقبلاً على إعادة توزيع كبرى للقوة، بعد أن تقلص الفارق بين الولايات المتحدة ومنافسيها، فقد ارتفع الناتج الصينى من 12% إلى 41% من حجم الاقتصاد الأمريكى بين عامى 2000 و2010، وقفزت حصة روسيا والبرازيل والهند، بينما تراجعت مكانة الغرب بعد الأزمة المالية العالمية، لكن العقد التالى كشف أن هذا الصعود لم يكن إلا وهماً مؤقتاً، فاليوم، تراجعت معظم الاقتصادات الكبرى نسبياً أمام الولايات المتحدة، فقدت اليابان نصف وزنها، وتراجعت ألمانيا وبريطانيا بنحو الربع، وتدهورت روسيا والبرازيل، بينما بدأت الصين مرحلة انكماش فعلى، حيث هبط ناتج الصين من 70% إلى 64% من نظيره الأمريكى بين 2020 و2024.

ومع أن بكين ما زالت ثانى أكبر اقتصاد فى العالم، فإنها تواجه أزمة مزدوجة «تباطؤ اقتصادى حاد وانكماش سكانى غير مسبوق»، فعدد سكان الصين فى سن العمل سيتراجع بنحو 240 مليون شخص بحلول منتصف القرن، بينما سيرتفع عدد المتقاعدين إلى أكثر من نصف مليار، وهى معضلة لم تواجهها أى قوة صاعدة من قبل، اقتصادياً، تحولت الطفرة الصينية إلى عبء، النموذج القائم على الإنفاق العقارى المفرط والديون الحكومية والمحلية الهائلة، أدى إلى تضخم مديونية تتجاوز 300% من الناتج المحلى، معظمها فى مشروعات غير منتجة، ومنذ عام 2020 تبخر نحو 18 تريليون دولار من ثروة الأسر الصينية، ما أصاب الاستهلاك بالشلل وخفض الأسعار لتسعة أرباع متتالية، فى أطول موجة انكماش تشهدها دولة كبرى منذ عقود، أما رأس المال البشرى فضعيف البنية، فثلث القوى العاملة فقط أنهى التعليم الثانوى، وهو نصف مستوى كوريا الجنوبية وتايوان فى مراحل نموهما، ومع تراجع جودة التعليم، وانتشار الفقر الريفى، يدخل ملايين الشبان سوق العمل بلا مهارات كافية، فيما تتضاءل فرص العمل اليدوى التى كانت تمتص فائضهم.

تحاول بكين تعويض ذلك بدعم الصناعات الاستراتيجية، مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، لكن هذه القطاعات لا تمثل سوى 3.5% من الاقتصاد، وتعانى تخمة إنتاج خانقة، فالمصانع الصينية تنتج ضعف حاجة السوق المحلية من السيارات، وثلاثة أضعاف حاجته من السيارات الكهربائية، بينما تراكمت ديون السكك الحديدية السريعة إلى تريليون دولار، ورغم إنفاق يفوق تريليون دولار على الدعم الصناعى خلال عقد، ما زالت الصين تعتمد على الولايات المتحدة وحلفائها فى 70% إلى 100% من نحو 400 سلعة وتقنية استراتيجية، من الرقائق المتقدمة إلى الذكاء الاصطناعى، وعندما فرضت واشنطن قيودها على تصدير الشرائح الإلكترونية عام 2022، تضاعفت الفجوة التكنولوجية لصالحها خمس مرات.

إلى جانب ذلك، أدى تشديد «الحزب الشيوعى» قبضته على الاقتصاد، إلى تآكل بيئة الابتكار، وتراجع عدد الشركات الناشئة من أكثر من 50 ألفاً عام 2018 إلى نحو ألف فقط فى 2023، فيما خرجت رؤوس الأموال والمليونيرات من البلاد بمعدلات قياسية، وهكذا تحولت «المعجزة الصينية» إلى عبء ثقيل، وأصبحت بكين اليوم عملاقاً مترهلاً يتكئ على ركام ديون وتحديات ديموجرافية، فى وقت تتراجع فيه قدرتها على المنافسة فى مجالات التكنولوجيا الفائقة والابتكار.

الصين تبدأ رحلة التراجع و«جمود» يصيب روسيا واليابان وأوروبا.. والهند تفتقر لرأس المال البشرى والمؤسسى

وتابعت الصحيفة أن انتهاء عصر القوى الصاعدة لا يعنى أن العالم يتجه نحو سلام مستدام، بل نحو توترات من نوع جديد، فالدول التى تتراجع تسعى غالباً لتعويض فقدان المكانة، عبر استعراض القوة، فروسيا، التى أنهكها الركود والشيخوخة، لجأت إلى الحرب لتأكيد حضورها فى أوكرانيا، والصين قد تُقدم على مغامرة مماثلة ضد تايوان، إذا شعرت بأن الزمن يفلت من قبضتها، معتبرةً أنه نمط معروف فى التاريخ، القوى المتراجعة تحاول إعادة إنتاج ماضيها عبر الغزو، كما فعلت ألمانيا واليابان فى ثلاثينات القرن الماضى، وفى موسكو، يستخدم فلاديمير بوتين الحرب أداة لإحياء الشعور القومى وتعويض فشل التنمية، وفى بكين، يوظف شى جين بينج خطاب «النهضة الصينية» لتعبئة الداخل ضد «عدو خارجى»، كلا النظامين يشترى الولاء بالدعاية أو الدم، فى مجتمعات تخشى السقوط أكثر مما تطمح إلى الصعود.

وتختتم الصحيفة تقريرها بالقول إن العالم دخل فعلاً مرحلة ما بعد الصعود، فبعد قرنين من دورات الصعود والسقوط، توقفت عجلة التحولات الكبرى، وحلّ محلها نظام دولى راكد تقوده قوى هرمة، تحكمها الشيخوخة الاقتصادية والجمود السياسى، قد يُنقذ الذكاء الاصطناعى، أو ثورة طاقة جديدة النظام العالمى من جموده، لكن حتى ذلك الحين، ستبقى موازين القوة متجمدة، تسيّرها دول تبحث عن مجد ضائع، أكثر مما تصنع مستقبلاً جديداً، وقد لا يشهد القرن الـ21 حروباً عالمية كالتى مزّقت القرن الماضى، لكنه سيشهد صراعات مختلفة، صراعات بين القوى «العجوز»، التى ترفض الاعتراف بأن زمنها قد انتهى.


مواضيع متعلقة