ساعة من نهار
الساعة كمقياس للزمن تختلف من ظرف إلى ظرف، ومن حالة إلى حالة، مؤكد أنك سبق وسمعت أحد المعلقين الرياضيين على مباراة كرة قدم وهو يقول عن دقائق الوقت الضائع: هذه الدقائق ستمر كثوانٍ على الفريق المهزوم وستمر كسنة على الفريق الفائز، فالإحساس بثقل الزمن أو سرعته يرتبط بالظرف الذى يعيشه الإنسان.
الوقت الذى يحبه الإنسان يعبر سريعاً، والوقت الذى يعانى فيه يمر ببطء، هذا من زاوية الإحساس النفسى، ومن الناحية العلمية يرتبط الزمان بالمكان، كما يقول العلماء: «الزمكان»، فالزمن على الأرض غير الزمن فى الأجرام السماوية الأخرى. ومن هنا يُمكن أن تفهم معنى الآية الكريمة التى تقول: «وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ»، وقوله تعالى: «تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».
فاختلاف القيمة الزمنية لليوم، إذ يساوى مرة ألف سنة، ومرة خمسين ألف سنة، مرده اختلاف المكان، ولعلك استمعت ذات مرة إلى المفكر الراحل الدكتور مصطفى محمود، وهو يتحدّث عن أن الله تعالى هو صاحب الزمن، وعنده سبحانه وتعالى علمه.
فى الآية الكريمة التى تقول: «وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ». فالإنسان الذى غادر الحياة يخرج من ظرف زمنى إلى ظرف زمنى آخر، الله تعالى أعلم به، تمر عليه الآلاف المؤلفة من السنين وكأنها لحظات عابرة، وهو على استعداد أن يقسم على ذلك، وأنه لم يلبث أكثر من ساعة زمن، رغم أنه رقد زمناً لا يعلمه إلا الله.
وثمة فارق كبير بين الواقع والإحساس، فيُمكن أن تنام 8 ساعات (الواقع)، ثم تقوم وأنت تشعر بأنك بحاجة إلى المزيد من النوم، وكأنك لم تنم أكثر من نصف ساعة (الإحساس). وتلك هى حالة الإنسان حين تقوم قيامته وتحين ساعته، فالفاصل الزمنى بين لحظة مغادرة الحياة ولحظة مواجهة القيامة يحكمها مبدأ «كأن»، فالإنسان يشعر وكأن المدى الفاصل بين اللحظتين لا يزيد على ساعة من نهار نام فيها.. يقول تعالى: «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ».
ويقول: «كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ».. إنه حكم الإحساس، فقد شعر الإنسان بالزمن الطويل الذى مر وكأنه ساعة من ساعات النهار نامها ثم استيقظ، وكأن كلمة «كأن» هى المفتاح لفهم تلك الحالة الإنسانية التى تعبّر عن إحساس الإنسان بالزمن إحساساً نسبياً، قد يختلف بالطبع من شخص إلى آخر، وكذلك إحساسه بالساعة، فمن يؤمن بأنها آتية لا ريب فيها هو الإنسان الحقيقى الذى ينبّهه إحساسه وضميره إلى لحظة سيُحاسب فيها على ما يعمل، فيحذر كل الحذر من الانزلاق الأخلاقى إلى ظلم نفسه أو ظلم غيره، أما الإنسان المزيف فهو ذلك الذى يرفع شعار: «وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً» فيظلم ويبغى ويطغى، ثم تمر عليه الأيام والسنون ويواجه مصيره، لحظتها يشعر أنه لم يلبث فى الحياة إلا يوماً أو بعض يوم.