فى وقت كانت فيه الآمال معلّقة على اتفاق وقف إطلاق النار فى قطاع غزة ليعيد للفلسطينيين قدراً من الأمان، تكشفت الحقيقة القاسية سريعاً، فالدم لا يزال يسيل، والموت ما زال يحصد أرواح الأطفال قبل الكبار، فيما يترسخ واقع «تقسيم غزة»، ويتحول إلى مصدر تهديد لمستقبل أكثر من مليونى إنسان، فقد جاءت الأيام التى تلت إعلان وقف إطلاق النار، فى 10 أكتوبر الماضى، كفيلة بنسف «وهْم الهدوء»، بعدما تحولت التهدئة إلى مجرد غطاء للقتل البطىء، واستمرار الحصار، بينما يعيش السكان فى ظروف تصفها المنظمات الدولية بأنها «غير إنسانية».
نزيف لا يتوقف.. «غزة» بين «السلام» و«الإبادة»
نزيف لا يتوقف.. «غزة» بين «السلام» و«الإبادة»
من بين المآسى التى هزت وجدان الفلسطينيين، قصة الطفلين «جمعة وفادى أبوعاصى»، اللذين خرجا بحثاً عن حطب لتدفئة خيمتهما فى «خان يونس»، جنوب القطاع المنكوب، كانت أسرتهما مطمئنة لأنه تم الإعلان عن وقف إطلاق النار، إلا أن صاروخاً أطلقته طائرة إسرائيلية، أنهى حياتهما فى لحظات. الأم هالة أبوعاصى، التى هرعت إلى موقع الانفجار، لم تجد سوى ما تبقى من طفلين، كان يفترض أن تحميهما التهدئة، لم تجد ما تقوله سوى: «كان هذا وقتاً يُفترض أن يتوقف فيه سفك الدماء».
ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فقد استُشهد أكثر من 360 فلسطينياً، بينهم ما لا يقل عن 70 طفلاً، بنيران جيش الاحتلال الإسرائيلى، منذ الإعلان عن اتفاق وقف إطلاق النار فى 10 أكتوبر، ورغم تراجع مستوى العنف، مقارنةً بالعامين الماضيين، اللذين شهد كل منهما معدّلاً يومياً بلغ 90 شهيداً، فإن سبعة فلسطينيين يُقتلون يومياً فى المتوسط، بفعل الأسلحة الإسرائيلية، وهو معدل يكفى لتصنيف الوضع كصراع نشط.
وأوردت صحيفة «الجارديان»، فى تقرير لها، نقلاً عن خبراء، أن وصف «التهدئة» بات تضليلاً يسهم فى إخماد الانتقادات الدولية، بينما يسمح لإسرائيل بالاستمرار فى عملياتها، من ضمن هؤلاء دانييل ليفى، المفاوض الإسرائيلى السابق، الذى قال للصحيفة البريطانية إن «مصطلح التهدئة ملائم لأمريكا ولمن يريدون إخراج الحرب من شاشاتهم وجدولهم السياسى، لكنه يمنح إسرائيل حرية مواصلة القتل».
واعتبر تقرير لمنظمة «العفو الدولية» أن «استخدام مصطلح التهدئة يكرس وهماً خطيراً بأن الحياة تعود إلى طبيعتها فى غزة»، فيما تؤكد المؤسسة الحقوقية أن إسرائيل تواصل ارتكاب «إبادة جماعية»، أما جيش الاحتلال الإسرائيلى فقد اعترف بالهجوم الذى أسفر عن استشهاد الطفلين «جمعة وفادى أبوعاصى»، ووصفهما بأنهما «مشتبهان»، لمجرد اقترابهما من «الخط الأصفر»، الذى بات يفصل قطاع غزة إلى شطرين، تحت رقابة الاحتلال.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أنه مع اتساع تطبيق هذا الخط الفاصل، أصبح يمثل حدوداً جديدة غير معلنة، تسمح لإسرائيل بالسيطرة على 58% من القطاع، بدلاً من 53% المنصوص عليها فى خريطة التهدئة الأصلية، وتشير تحليلات «مختبر الهندسة الجنائية»، وهو مؤسسة بحثية دولية تقوم بتحليل الأدلة البصرية والخرائط والصور الفضائية فى سياق النزاعات والانتهاكات الحقوقية، إلى أن معظم الأراضى الزراعية الخصبة باتت داخل نطاق السيطرة الإسرائيلية، بينما تُرك الجزء الأكبر من السكان فى مناطق ساحلية قاحلة، يصنفها الأمريكيون ضمن «المنطقة الحمراء».
وتبدو «خطة التهدئة»، التى طرحها الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، غير قابلة للتطبيق، إذ يفترض أن تنسحب قوات الاحتلال تدريجياً من القطاع الفلسطينى، وتحل محلها «قوة استقرار دولية»، تشرف عليها لجنة يرأسها «ترامب» نفسه، مع تكليف لجنة فلسطينية بإدارة الشئون اليومية، ولكن هذه الخطوات بقيت غامضة وغير قابلة للتنفيذ منذ شهرين، خصوصاً مع التعنت الإسرائيلى والإصرار على عدم التقدم خطوة، قبل تسليم جميع جثامين المحتجزين لديها، وتجريد حركة حماس من السلاح.
ورغم عثور «حماس» على معظم الجثامين، وإعلانها استعدادها لمناقشة تسليم الأسلحة الهجومية، دون أن يكون ذلك لإسرائيل أو لأى جهة مدعومة منها، فإن الدول المرشحة للمشاركة فى القوة الدولية، مثل إندونيسيا وأذربيجان وباكستان، ترفض إرسال جنود لنزع سلاح حركة المقاومة الفلسطينية بالقوة، وفى ظل غياب سلطة حاكمة واضحة للقطاع، تتعثر أى خطط لتدريب أو نشر قوات فلسطينية.
وتابعت «الجارديان»، فى تقريرها، أنه على الأرض، تتحول «الخطوط المؤقتة» إلى واقع دائم، فجيش الاحتلال يعمل على بناء مواقع خرسانية على طول «الخط الأصفر»، وتوسيع مناطق إطلاق النار حولها، فى الوقت الذى يواصل تدمير أحياء بأكملها، على الجانب الذى يسيطر عليه، رغم تعهدات إعادة الإعمار، أما الخطط الأمريكية فتقترح إنشاء «مجتمعات آمنة بديلة»، ليست سوى مخيمات محاطة بأسوار، تضم وحدات جاهزة، وحاويات شحن معدلة مع مرافق مشتركة، مع منع دخول أى فلسطينى سبق له العمل مع «حماس»، أو لديه قريب ينتمى لحركة المقاومة.
وترفض منظمات إنسانية ودول أوروبية المشاركة فى التخطيط لهذه المخيمات، التى قد تشكل، بحسب تحذيراتها، أداة «تهجير قسرى»، تتعارض مع القانون الدولى، وأوردت الصحيفة البريطانية، فى هذا الصدد، نقلاً عن محللين مختصين بالأزمات الدولية، أن «واشنطن تتجاهل أبسط مبادئ الملكية، وكأن غزة أرض بلا تاريخ أو سكان»، وأضافت أنه حتى لو مضت الولايات المتحدة فى تنفيذ نموذج تجريبى لهذه المخيمات فى رفح، فلن تحل الأزمة الإنسانية، إذ تتطلب أعمال إزالة الركام شهوراً من العمل المتواصل، ولن يستوعب المشروع سوى 25 ألف نسمة، أى 1% فقط من سكان غزة.
فى المقابل، يعيش 2.2 مليون فلسطينى فى مساحة لا تتجاوز 42% من القطاع، دون أمان أو بنية تحتية، تسعة من كل عشرة بلا مأوى، بعد تدمير أو تضرر 81% من المنازل، فيما يعيش معظمهم فى خيام جرفتها سيول الأمطار فى نوفمبر الماضى، كما تحذر منظمة «يونيسف» من تفشى الكوليرا وأمراض الإسهال الحاد، خصوصاً مع اختلاط مياه الأمطار بمياه الصرف، أما الغذاء، فرغم زيادة دخول المساعدات إلى 133 شاحنة يومياً، فإنه يبقى أقل بكثير من متوسط 600 شاحنة قبل الحرب، بينما أنهك الغلاء الشديد السكان الذين لم يبق لديهم أى ادخار.
وأشار التقرير إلى أن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، أكبر مزود للمساعدات الإنسانية، تواجه حظراً إسرائيلياً، بدعوى مشاركة بعض موظفيها فى هجوم 7 أكتوبر 2023، ما عمق أزمة الإغاثة. وفى غزة نفسها، يعيش الفلسطينيون على وقْع الرعب اليومى، وعبّر فايق السقانى، الذى يسكن مع أسرته فى منزل مدمر قرب «الخط الأصفر»، عن مخاوفه، بقوله إن أصوات الدبابات والرصاص لا تتوقف، مشيراً إلى استشهاد ثلاثة من أقاربه فى قصف مباشر مؤخراً، بعد سريان اتفاق وقف إطلاق النار.
واختتمت الصحيفة تقريرها بعبارة لـ«السقانى»، جاء فيها: «يبدو كأن الحرب لم تتوقف، لا توجد أى علامة تشير إلى عودة الحياة إلى طبيعتها»، لتتكشف حقيقة التهدئة، مجرد «سلام على الورق، وحصار فى الواقع، وانعدام أفق سياسى، وسط خوف مستمر، ودم لا يزال ينزف كل يوم».