«حين صُنِعَت العوائق في طريق الله.. كيف شُوِّهت المعاني وأُربِكَ الوجدان؟!»
لماذا يشعر بعض الناس اليوم أن الطريق إلى الله صار مُربِكاً؟
لم يكن الدين فى الوجدان المصرى - ولا فى العهود الإسلامية الأولى - مساراً شاقاً يُرهق الإنسان، بل كان إطاراً يضبط حياته ويمنحها معنى؛ حيث جاء الوحى ليهدى، لا ليُعقِّد، وليُسكِّن القلب، لا ليزيد اضطرابه؛ نجد هذه الحقيقة الراسخة فى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء: 107]؛ فحضرة النبى، صلى الله عليه وسلم، هو رحمة الله المهداة لعباده، فأصل هذا الدين هو الرحمة والسكينة والسلام.
غير أن التحول الذى نشهده اليوم يطرح سؤالاً حقيقياً لا يمكن تجاهله: كيف أصبح التدين - عند قطاعات من الناس - عبئاً نفسياً، بدل أن يكون مورداً للسكينة؟
وكيف انتقل الدين، فى بعض تمثلاته المعاصرة، من كونه طريق هداية إلى مجال ارتباك وخوف وحذر دائم؟
هذه المقالة تسعى إلى تحليل العوائق التى صُنِعت فى طريقة الفهم الصحيح؛ عوائق لم تنشأ من النص، بل من طرائق قراءته، ولا من المقاصد، بل من إزاحتها، ولا من التجربة الدينية الأصيلة، بل من تشويهها.
نحن هنا أمام محطة انتقالية فى هذه السلسلة:
من توصيف ملامح التدين المصرى ومصادر قوته، إلى تفكيك ما اعترض هذا المسار من تشوهات، تمهيداً لاستعادة المعنى وبناء مقاومة واعية لها، ونحن فى هذه المقالة نرسم سوياً الخطوط العريضة لهذا الفصل الانتقالى اللازم فى رحلتنا نحو المعنى..
أولاً: حين أخرجوا الدين من فضاء الهداية إلى ساحة الصراع
أحد أخطر التحولات التى أصابت الخطاب الدينى المعاصر هو تسييس المعنى الدينى؛ حين يُستدعى الدين ليخدم صراعاً سياسياً أو أيديولوجياً، يفقد تلقائياً طبيعته القدسية؛ ويتحول إلى أداة تعبئة.
فى هذا السياق، لا يعود الدين إطاراً أخلاقياً جامعاً، بل يُختزل فى شعارات حادة، تُستخدم لإقصاء المختلف، أو لتبرير مواقف مسبقة؛ وهنا لا يُسأل النص: ماذا يُزكّى فى النفس؟ بل: من يخدم من أصحاب المصالح؟، وتلك لحظة خطرة؛ لأن الأيديولوجيا بطبيعتها تبحث عن السيطرة، لا عن المعنى.
وقد تجلّى هذا التحوّل بوضوح فى تجارب معاصرة، حين استُخدم الدين وقوداً لإشعال مجتمعات كاملة، تحت لافتات براقة من قبيل «إقامة الدين» أو «نصرة الشريعة»، ومع مرور الوقت، انكشفت الحقيقة القاسية: لم تكن الغاية إصلاحاً ولا هداية، بل كانت صراعاً على السلطة، وتمكيناً سياسياً، وإعادة تشكيل للمجتمع بالقهر لا بالقيم؛ فحين هدأت النيران، لم نجد عدلاً قد أُقيم، ولا أخلاقاً قد ترسّخت، ولا إنساناً قد حُفظ؛ بل وجدنا دولاً ممزقة، ونسيجاً اجتماعياً محترقاً، وأناساً متخبطين بين هذا وذاك؛ أناساً يبحثون عن معنى يواسيهم عن ما فقدوه من أحباب ورفقاء، أو بالأحرى يبحثون عن أنفسهم وسط كل هذا التيه والظلام.
فالنتيجة لم تكن مجرد استقطاب سياسى، بل كانت تشويهاً عميقاً لوظيفة الدين الاجتماعية؛ إذ تحوّل فى وعى البعض من مساحة أمان روحى إلى مساحة صراع وتخوين وتكفير واستباحة للدماء والأعراض والحُرمات.
ثانياً: الوجه الثانى للتطرف.. الدعوة إلى إقصاء الدين من الحياة!
يأتى الخطأ الموازى الذى لا يقلّ خطورة، وهو الظنّ بأن الخلاص من هذا التشويه السابق يكون بتغييب الدين ذاته، أو بدفعه خارج المجال العام بوصفه «مصدر المشكلة»؛ فكما أن تسييس الدين أفسد معناه، فإن إقصاءه الكامل يُفرغ المجتمع من أحد أهم روافده الأخلاقية والوجدانية.
فى هذا السياق، ظهر شكلٌ آخر من التطرف، لا يرفع راية الدين، بل يخاصمه؛ تطرفٌ يختزل الدين فى تجاربه المشوَّهة، ثم يحاكمه من خلالها، ويدعو إلى إزاحته كلياً من الفضاء العام، هذا النمط من اللادينية الصدامية لا يُقدّم بديلاً أخلاقياً متماسكاً، بل يُعمّق الفراغ القيمى، ويترك الإنسان بلا مرجعية تضبط المعنى أو تُسكّن الوجود.
- (شرعنة الصراع × إقصاء الدين)
وهكذا وجد المجتمع نفسه محاصراً بين تطرفين متقابلين فى الشكل، متشابهين فى الأثر:
تطرف يُشرعن الصراع حتى يُفرغ الدين من رسالته، وتطرف يُقصى الدين حتى يُفرغ الحياة من معناها.
الأول اختزل الدين فى أداة تعبئة، وجعل المقدّس وقوداً للهيمنة، فشوَّه صورة الإيمان، وأربك الوجدان، وأحرق المجتمع باسم الشعارات، والثانى، وقد رأى هذا التشويه، اندفع إلى النقيض، فحمّل الدين ذاته مسئولية ما صُنِع باسمه، ودعا إلى إزاحته من المجال العام، لا بوصفه فهماً مغالطاً، بل بوصفه أصلاً.
فهذا البناء الثنائى للتطرف لم يقدّم حلاً، بل عمّق الأزمة؛ لأنه استبدل سؤال كيف نُصلح فهم الدين؟ بسؤالين خاطئين: كيف نستخدمه؟ أو كيف نتخلّص منه؟ والخروج من هذا المأزق لا يكون بالانحياز إلى أحد الطرفين، بل بكسر الثنائية نفسها، واستعادة الدين إلى موقعه الطبيعى: مرجعية قيمية تُهذِّب الصراع بدل أن تؤجّجه، وتحفظ المعنى بدل أن تُلغيه، وتفتح أفق العيش المشترك بدل أن تُغلقه.
ثالثاً: اختزال التدين فى الأداء.. وفصل العبادة عن أثرها
من أخطر ما أصاب الخطاب الدينى المعاصر ذلك التحوّل الصامت الذى أفرغ التدين من روحه، وقدمه للناس فى صورة إجراءات جامدة؛ وتصورات مرعبة عن عقوبة الفوات؛ أو حتى تخيلات حسية مادية جافة عن الثواب؛ وهكذا نشأ ما يمكن تسميته بالتديّن الكمى؛ تدينٌ يُدار بمنطق العدّ والحصر، لا بمنطق الأثر والتحوّل.
فى هذا النموذج، تُقاس العلاقة مع الله بعدد الركعات، وكثرة الأوراد، وانتظام الطقوس، وكأنه يُقيم الحجة على الله -حاشاه- فهو يحسب عدد الحسنات بينما يغفَل جوهر العبادة بوصفها نعمة من الله تصلنا به -سبحانه-، ويغفل أثرها بوصفها فعل بناء داخلى، يُعيد ترتيب الإنسان من الداخل، ويمنحه السكينة والاتزان.
إنها ما أسميه ظاهرة «بزنسة الدين»: نقلٌ غير واعٍ لمنطق السوق والإدارة إلى المجال الروحى؛ حيث تتحول العبادة إلى «أداء»، والتدين إلى «مؤشرات»، والإنسان إلى مُنفّذ منهك.
والنتيجة لم تكن مزيداً من القرب، بل كانت مزيداً من الإرهاق الروحى؛ أناس يُداومون على العبادات، لكنهم لا يطمئنون، يُكثرون من الطاعات، لكنهم لا يهدأون؛ يبذلون جهداً دينياً كثيفاً، دون أن ينعكس ذلك توازناً فى النفس أو رحمة فى السلوك أو تزكية فى الأخلاق. ومع تراكم هذا الانفصال بين الأداء والمعنى، تنشأ أزمة أخطر، إمّا جلد ذات دائم بدعوى التقصير، وهو ما يجعل الشخص مضطرباً وقابلاً للاستقطاب من قبل الجماعات المتطرفة التى تقدم له نموذج «الخلاص»، أو تحميل الدين نفسه مسئولية هذا الثقل وظهور ما نسميه بظاهرة «الإلحاد العاطفى»، وكأن المشكلة فى الإيمان لا فى طريقة تقديمه وفهمه، بينما الحقيقة الجوهرية أبسط وأعمق: الخلل ليس فى العبادة، بل فى فصلها عن مقصدها؛ فالدين ليس طقوساً تُؤدّى بمعزل عن الحياة، بل منظومة هداية تُعيد بناء علاقة الإنسان بنفسه، وبالناس، وبالله.
وحين تُفرَّغ العبادة من بعدها التربوى، وتُعزل عن وظيفتها الأخلاقية، تتحول من مصدر حياة إلى عبء نفسى، ومن طريق للسكينة إلى مساحة توتر دائم؛ وهكذا يصبح التديّن الكمى أحد أخطر العوائق فى طريق المعنى؛ لأنه يُشغِل الإنسان بالكم.. دون أن يُدخل المعنى إلى قلبه.
رابعاً: أزمة المرجعية.. حين تاه الصوت الموثوق!
مع الانفجار الإعلامى ومنصات التواصل، لم يظهر مجرد ارتباك عابر، بل تَشكَّل عائقٌ بالغ الخطورة: فوضى المرجعيات الدينية؛ فلم تعد المشكلة فى كثرة الأصوات فقط، بل فى تفكيك الثقة ذاتها؛ أصوات تتصدر المشهد باسم الدين بلا تأهيل علمى، ولا إدراك لتعقيدات الواقع أو خطورة المآلات، يقابلها -فى الوقت نفسه- استهدافٌ ممنهج للعلماء الحقيقيين والمؤسسات الرصينة.
هنا لم يكن الصراع بريئاً؛ فأصحاب المصالح -سياسيين، أو أيديولوجيين، أو مستثمرين فى الفوضى- عملوا على اغتيالٍ معنوىّ صامت لكل من يملك علماً حقيقياً أو خطاباً متزناً، عبر التشكيك، والتسفيه، وربط الاعتدال بالضعف، والمرجعية بالسلطة التى يجب التمرد عليها.
والنتيجة لم تكن تنوّعاً صحياً فى الآراء، بل وجداناً دينياً مرتبكاً؛ الناس لا تعرف من تُصدّق، ولا أى خطاب يُمثّل الدين، ولا أين يقف الحق من الضجيج؛ فتتراجع الطمأنينة، ويعلو القلق، ويتحوّل التدين من مصدر سكينة إلى مصدر توتر داخلى.
فحين تغيب المرجعية الموثوقة، لا يبقى الفراغ محايداً؛ بل يُملأ سريعاً بأحد مسارين خطيرين، إما تطرف يملأ الفراغ باليقين الزائف، أو انسحاب كامل يملأه باللاجدوى واللامعنى، وفى الحالتين، يكون الخاسر هو الإنسان.
هذه العوائق -مجتمعة- وغيرها أنتجت حالة من الارتباك الوجدانى:
إنسان يريد القرب من الله، لكنه خائف، يبحث عن المعنى، لكنه محاصر بخطابات متناقضة؛ فالبعض تشدد، والبعض انسحب، وآخر بقى معلقاً فى منطقة حيرة صامتة؛ ولهذا لا يمكننا التناول السطحى أو المرور السريع على هذه العوائق بل سنسير معاً فى رحلة وعى نُزيح بها هذه الظلمات..
- من التشخيص إلى التفكيك الواعى
هذه المقالة لا تهدف إلى الإدانة، بل إلى فتح مسار تفكيك واعٍ للعوائق التى صُنعت فى طريق الله؛ فالطريق الذى وُضع لهداية الإنسان لا يمكن أن يُترك مُثقِلاً بهذه التشوهات.
فى المقالات القادمة، سننتقل من التشخيص العام إلى التفصيل.
سنفكك كل عائق على حدة، بل نحلل كل أثر تركته العوائق، سواء التدين المشوه أو التدين الكمى أو غيرهما، نحلل جذوره الاجتماعية والفكرية، ونقترح مسارات عملية لاستعادة المعنى والمناعة الوجدانية.
ليست الغاية تجميل الصورة، بل تحرير الطريق؛ فإذا كانت العوائق قد صُنعت بأيدى البشر، فإن إزالتها تبدأ بالوعى.. وهنا تبدأ المرحلة التالية من الرحلة.
فى المقال القادم من هذه السلسلة، نواصل رحلتنا فى البناء لعلم اجتماع التدين، ونفكك أول وأخطر أثر أفرزه «التدين المشوه»: «ظاهرة الإقصاء باسم الدين».
فى المقال القادم من «فى حضرة المعنى»:
التدين الإقصائى.. كيف تحوّلت المحبة إلى تصنيف؟!