ساحة القطب الشمالي.. تحركات موسكو وبكين تعزز المخاوف وتحمي المصالح

كتب: ماريان سعيد

ساحة القطب الشمالي.. تحركات موسكو وبكين تعزز المخاوف وتحمي المصالح

ساحة القطب الشمالي.. تحركات موسكو وبكين تعزز المخاوف وتحمي المصالح

في ظل تصاعد الاهتمام الدولي بالقطب الشمالي، أصبحت جزيرة جرينلاند مركز صراع دبلوماسي واستراتيجي يجمع بين طموحات الولايات المتحدة والصين وروسيا، إلى جانب متابعة الاتحاد الأوروبي والدول الإسكندنافية، الجزيرة، الغنية بالمعادن النادرة وذات الموقع الجيوستراتيجي بين أمريكا الشمالية وأوروبا، تمثل محوراً للتنافس على النفوذ، والفرص الاقتصادية، والتحكم في الممرات البحرية القطبية الجديدة.

وقالت الدكتورة تمارا برو، باحثة في الشأن الصيني، لـ«الوطن» إن الصين أبدت اهتماماً متزايداً بجزيرة جرينلاند لما تمتلكه من موارد معدنية غنية بالمعادن النادرة، فضلاً عن موقعها الاستراتيجي الذي يمثل فرصة لتقليص الوقت والتكاليف في التجارة بين الشرق والغرب، مشيرة إلى أن الصين حاولت على مدى السنوات الماضية الاستثمار في جرينلاند عبر مشاريع للتنقيب عن المعادن والمشاركة في تحديث البنية التحتية، لكن كل المبادرات الكبرى، بما فيها عروض للاستحواذ على قاعدة بحرية دنماركية أو تحديث المدارج الجوية، قوبلت بالرفض من كوبنهاجن، فيما أوقفت حكومة جرينلاند بعض المشاريع الصينية.

أكدت «تمارا» أن العقبات الأمريكية لعبت دوراً في تقليص حضور الصين في الجزيرة، خاصة خلال ولاية الرئيس دونالد ترامب، الذي سعى إلى «شراء جرينلاند لمواجهة النفوذ الصيني والروسي في المنطقة» وللتقليل من اعتماد الولايات المتحدة على المعادن النادرة الصينية، وأن الصين، رغم محدودية استثماراتها الحالية في جرينلاند، ستظل تنتظر الفرصة المناسبة للرد على أي محاولات أمريكية لتقليص نفوذها عالمياً، موضحة أن أي مواجهة صينية محتملة لن تكون عسكرية، بل اقتصادية واستراتيجية، عبر إجراءات مثل تقييد تصدير المعادن النادرة أو فرض قيود على الشركات الأمريكية داخل الصين، أو اتخاذ خطوات أخرى من شأنها الضغط على واشنطن لحماية مصالح بكين الدولية.

«كباس»: الجزيرة تمثل فرصاً هائلة بين أمريكا وروسيا يمكن استثمارها

بدورها، أبرزت نغم كباس، الإعلامية في سبوتنيك الروسية والباحثة في الشأن السياسي والسلم الأهلي، أن روسيا تراقب اهتمام القوى الكبرى بجرينلاند من كثب، مشيرة إلى أن الموقع الاستراتيجي للجزيرة بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وقربها من الممرات البحرية الشمالية، يجعلها محور متابعة روسية للحفاظ على مصالحها في المنطقة أمام الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبي، مضيفة أن روسيا ترى في الجزيرة فرصاً للتعاون في قطاعات الطاقة والتعدين والبنية التحتية والبحث العلمي والتنمية المستدامة، مع التركيز على التغير المناخي وتأثيره على المجتمعات القطبية والاقتصادات المحلية، موضحة أن البعد الاقتصادي ليس الشاغل الوحيد، بل هناك قلق أمني محتمل مرتبط بقاعدة ثول الجوية الأمريكية ودورها في نظام الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي.

أوضحت «كباس» أن روسيا لا تنوي الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن أو الناتو حول جرينلاند، معتبرة أن الجزيرة ليست أولوية استراتيجية مباشرة، مثل الحدود الروسية أو أوكرانيا، وأن موسكو تحافظ على احترام السيادة الدنماركية وتكتفي بتعزيز الوجود العسكري الروسي في المناطق القطبية المقابلة استعداداً لأي تهديد محتمل، مع الاستمرار في إقامة علاقات اقتصادية وثقافية متينة مع الدول المعنية.

وفي تقييمها للصراع الجيوسياسي المحتمل، قالت «كباس» إن روسيا تتبنى استراتيجية شراكات أكثر من الصراعات، مشيرة إلى أن ذوبان الجليد وفتح الممرات البحرية الشمالية يتيح فرصاً للوصول إلى احتياطيات هيدروكربونية ومعدنية ضخمة، يمكن لموسكو وواشنطن الاستفادة منها دون تصعيد الخلافات، كما أشارت إلى دور الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والدول الإسكندنافية في تعزيز التعاون المشترك لتنمية المنطقة واستثمار مواردها.

فيما أكدت «كباس» أن التصريحات الروسية الرسمية، ومنها تصريحات كيريل دميترييف، رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، تعكس سياسة موسكو القائمة على حماية مصالحها الوطنية والاستراتيجية، وعدم قبول أي توسع للناتو أو الوجود الغربي في مناطقها الحيوية، مع توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لتعزيز النفوذ الروسي في المنطقة القطبية.


مواضيع متعلقة