على الفاتح يكتب: العدوان على إيران.. تساؤلات الهوية والدين
على الفاتح يكتب: العدوان على إيران.. تساؤلات الهوية والدين
تبدو شعوب الشرق الأوسط أكثر وعياً من بعض نخبتها الثقافية والسياسية، لا سيما بعض المحسوبين على التيار العلمانى الليبرالى المرتبطين إما فكرياً، أو عبر مصالح شخصية بالأجندات الغربية بشكل عام، أو أجندة الغرب الصهيونى على وجه الخصوص.
شعوب المنطقة، منذ أحداث السابع من أكتوبر 2023 «طوفان الأقصى»، تراقب جرائم الإبادة، التى يرتكبها الكيان الصهيونى فى قطاع غزة بدعم أمريكى مطلق، وقد أدركت مبكراً أن غزة ليست الهدف الأخير، وقد تأكد لها ذلك، ليس فقط، عبر ترديد رئيس حكومة الكيان الصهيونى مجرم الحرب بنيامين نتنياهو وأعضاء حكومته، وقادة الأحزاب المعارضة له، الحديث عن أوهام إسرائيل الكبرى، وإنما عبر ما جرى من تطورات فى سوريا ولبنان، وفى خلفية ذلك كله ما شهدته ليبيا والعراق واليمن والسودان من مخططات ومؤامرات صهيونية تم تنفيذها عبر أذرع إقليمية.
وجاء العدوان الأمريكى الصهيونى على إيران فى 28 فبراير 2026 ليؤكد لدى الرأى العام الشرق أوسطى هذا الوعى بطبيعة الصراع. ربما فرح الناس بالصواريخ الإيرانية، التى كانت تدك الكيان الصهيونى فى حرب الـ12 يوماً فى يونيو 2025 لأسباب وجدانية تتعلق بتاريخ جرائم الكيان منذ نشأته فى عام 1948.
هذه المرة هناك شىء مختلف حدث فى الوعى الجمعى، فالمسألة لا تخص إيران وحدها، والناس باتوا يراقبون بدقة تفاصيل الأحداث منذ بداية العدوان، وأدركوا أن أمريكا تريد توريط شعوب المنطقة فى حرب طائفية لإضعاف الجميع لصالح هيمنة المشروع الصهيونى.
ورغم إدراك الغالبية للتداعيات الاقتصادية المباشرة على حياتهم جراء هذه العدوان، إلا أنهم لا يلومون الدولة الإيرانية، ويعرفون أن المتسبب بطبيعة الحال فى الأزمات المتوقعة هو من بادر بشن العدوان.
هذا هو الموقف العام بمطالعة آراء الناس وتعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعى، وهذه المسألة تختلف طبعاً عن فرحتهم ببعض الشائعات والأنباء، التى تبالغ فى حجم خسائر الجيشين الأمريكى والإسرائيلى، فذلك رد فعل نفسى طبيعى تجاه من يرونه عدواً لأنه دعّم المجازر والمذابح فى غزة والسودان، وكل مخططات التقسيم فى اليمن وليبيا والصومال، وتسبب فى سقوط سوريا، وإضعاف العراق.
فى المقابل يرى بعض تلك النخبة العلمانية فى العدوان على إيران فرصة للخلاص من نظام دينى «ثيوقراطى»، مستبد وظلامى، طالما كان لديه مشروع توسعى لصالح مذهبه الشيعى، وأنه دائماً كان أخطر على المنطقة من العدو التاريخى لشعوب الشرق الأوسط، «الكيان الصهيونى».
صحيح أن موقفهم الرافض للدولة الدينية سليم من حيث المبدأ، وأن نظام الملالى كان لديه مشروع لمد نفوذه، لكن الظروف السياسية تغيرت، فمن ناحية لم يعد بوسع نظام طهران المضى فى سياساته التوسعية، وبعد اتفاق بكين لتطبيع العلاقات بين المملكة السعودية وإيران كانت هناك فرصة لحلحلة الكثير من المشاكل العالقة إذا استمر الضغط الدبلوماسى والسياسى على طهران لتنسيق عربى جماعى، إلا أن غياب مشروع عربى حال دون الوصول إلى هذه النقطة تماماً كما سمح قبل 47 سنة بإتاحة مساحة لتمدد النفوذ الإيرانى وتنامى النفوذ الصهيوأمريكى فى المنطقة.
أما قضية الدولة الدينية، فهذا شأن يخص نضال الشعب الإيرانى من أجل الوصول إلى دولة مدنية حديثة وديمقراطية، كما أنه يتعلق بأزمة أكبر تخص عملية تغيير جوهر الخطاب الدينى السائد فى الشرق الأوسط، الذى يتسم بالتشدد والتطرف بسبب غياب محاولات جادة من عموم النخب الثقافية والفكرية والسياسية لخوض غمار هذه المعركة.
نعم شعوبنا بحاجة إلى خطاب ثقافى تنويرى يساعدها على الانتقال إلى مرحلة المجتمع المدنى الحديث، القادر على إنتاج الدولة المدنية الحديثة الديمقراطية، التى تفصل بين الدين والسياسة، وهذا هو السبيل الأمثل لمحاصرة الدولة الدينية اليهودية القائمة فى الكيان الصهيونى والتى تسعى للتوسع الاستيطانى والاستعمارى تأسيساً على أوهام دينية، وخرافات تم تدوينها منذ آلاف السنين.
بالمناسبة لا ينتقد بعض تلك النخبة، المشار إليها، من العلمانيين الليبراليين الكيان الصهيونى كدولة دينية يهودية، رغم إقراره بذلك، ورغم جرائم الإبادة، التى يرتكبها وفق تعاليم دينية مزعومة من وجهة نظره.
نعم يعانى الشرق من شيوع خطاب الإسلام السياسى بنسخته الوهابية الإخوانية السلفية، وكذا بنسخته الشيعية، لهذا على الدول بنخبها الثقافية والسياسية الحاكمة مواجهته لإتاحة مناخ من الحرية الفكرية والسياسية يسمح بمعارك هدفها تنشيط العقل الجمعى لتنقيته من شوائب الموروث الفقهى والسياسى، الذى ارتبط بنموذج الدولة الدينية فى القرون الوسطى.
للأسف المحاولات الصادقة والمنطلقة من أساس وطنى خالص لتنقية وتغيير الخطاب الدينى السائد معدودة ومحدودة، فيما ارتبط أغلبها بأجندات الغرب الصهيونى السياسية، ما أفقد مدعيها المصداقية، وأحد الشواهد على ذلك طرحهم قضايا تجديد الخطاب الدينى بأساليب سطحية وصادمة، ومن خلال موضوعات تافهة تدفع الجمهور إلى التمسك أكثر بما لديهم من أفكار متشددة ورفض أى حديث عاقل عن مسائل التنوير والانتقال بالعقل من التفكير بأساليب القرون الوسطى إلى ما يناسب عصرنا الحديث.
يعتبر هذا البعض من النخبة الحديث عن خطر المشروع الصهيونى تهويلاً، ويتجاهلون عن عمد ما يجرى من أحداث نعايشها، ولا نسمع عنها فقط.
رفض الدولة الدينية، والحركات والتنظيمات الإسلاموية السنية والشيعية فى المنطقة لا يعنى بأى حال الاستسلام لتمدد النفوذ الغربى سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وثقافياً بحجة محاربة التطرف الدينى لأن ذلك سيؤدى حتماً إلى توسع نفوذ المشروع الصهيونى وسيطرته على قرار ومصالح شعوب ودول المنطقة، أى أننا سنخضع لهيمنة مشروع الصهيونية الدينية.
أولى بهذه النخبة، إن كانت صادقة، تبنِّى قضايا تعزيز قيم المواطنة والمساواة فى الحقوق والواجبات بين جميع أفراد المجتمع، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وعرقياتهم، ما من شأنه محاربة المفاهيم المغلوطة، التى يروج لها خطاب الإسلام السياسى سنياً كان أو شيعياً، حول قضية الانتماء، استناداً لموروث فقهى قديم يناسب نمط دولة الخلافة الدينية، وهى المفاهيم التى تؤكد على الانتماء الأول للدين والمذهب لا للوطن.
اعتبار الدين هوية، وموضوعاً للانتماء والولاء، مفهوم ورثناه من دول القرون الوسطى الدينية، وللأسف مجمل الخطاب الدينى السائد ما زال يرسخ له، وهو ما يساعد على تعزيز مفهوم الانتماء العرقى والمذهبى، وهذا ما يعمل الغرب الصهيونى على تأكيده وتأجيجه طوال الوقت، وها هى الولايات المتحدة فى سياق عدوانها على إيران تحاول توريط دول الخليج العربى فى خوض حرب طائفية مع إيران، وتؤجج الصراع العرقى بين مكونات المجتمع الإيرانى من فرس وعرب وأكراد وبلوش وتركمان.
فى الدولة المدنية الحديثة لا هوية ولا انتماء إلا للوطن الجامع، أما الدين فلا يعدو كونه مسألة شخصية تخص عقيدة الفرد.
ترسُّخ هذا المفهوم من شأنه حلحلة العديد من المشكلات السياسية والاجتماعية داخل كل الدول التى تتسم بهذا التنوع، ويجعل الجميع ينصهرون ضمن نسيج واحد، ويصبح تنوعهم مصدراً للثراء الثقافى والاجتماعى لا للفتن والصراعات والنزعات الانفصالية.
كما أنه يقضى على الكثير من المشاكل السياسية فى العلاقات بين الدول، وتنتهى الحساسيات الطائفية، ما يسمح ببناء علاقات تكامل وتحالف استراتيجى وصياغة مشاريع إقليمية قادرة على مواجهة كافة المشاريع الخارجية المعادية لمصالح شعوب المنطقة.
خلاصة القول، خمس حاملات طائرات غربية تتحرك فى مياه الشرق الأوسط، وعشرات الآلاف من جيش الاحتلال الإسرائيلى، وجنود سلطة الأمر الواقع الإسلامية السنية فى سوريا يحاصرون لبنان، وآلاف المقاتلين من أكراد إيران ينتظرون إشارة نتنياهو للهجوم، كل ذلك لم يأتِ فقط لإسقاط النظام فى طهران، وسرقة بضع جرامات من اليورانيوم المخصب، وتدمير برنامج للصواريخ الباليستية.
ا
لهدف الأكبر هو تغيير شامل لخريطة المنطقة الجيوسياسية بما يسمح بوجود قوة واحدة مهيمنة، وهى الكيان الصهيونى.