احتكار الحقيقة.. البوابة الأولى للتطرف
«عائق الانغلاق.. حين يتحول التدين الجامد إلى مولِّدٍ للعداء والإرهاب»
فى مسيرة الوعي التي نخوضها لتفكيك عوائق التدين المعاصر، نجد أنفسنا أمام عائق بنيوى صلد، وهو «الجمود الفكرى» الذي يمثل البداية الحتمية لكل انحراف حضارى؛ إن الدين، في جوهره الأصيل الذي تستقى منه الروح أنوارها، جاء ليؤسس حالة من «العمران الإنسانى» الممتد، وليكون طاقة بناء تُعلى من شأن «التزكية» والجمال في الوجود، بيد أن المأساة الحقيقية تبدأ حين يضيق أفق العقل، فيتحول التدين من «رسالة بناء» تفتح آفاق الروح إلى «أيديولوجيا صماء» تخنق الإنسان.
إننا، ومن منطلق التحليل العميق في رحلتنا لتأسيس علم اجتماع التدين؛ لا بد أن نفكك الارتباط بين «الثبات على الحق» كقيمة إيمانية تعكس اليقين الأخلاقى، و«الجمود على الفهم» كعائق معرفى يحبس النَّص الإلهى الواسع في زنزانة الفهم الأحادى؛ فالتاريخ الإسلامى، بجماله ورحابته المحمدية، كان دوماً نموذجاً للتعددية وإدارة الاختلاف، ولم يتحول الدين إلى أداة صراع إلا حين فَقَدَ روحه الإنسانية وتحول إلى «هوية صراعية» تبحث عن السلطة والتمكين للجماعة لا الهداية والعمران للبشر، مما جعل هذا الانغلاق هو المولِّد الأول لكل صور الإرهاب.
نقطة البداية: «لغة الفرز وصناعة «الناجين»
تبدأ رحلة الانغلاق عبر «هندسة اللسان»، حيث تتحول اللغة من وعاء للمعنى والرحمة إلى سياج للفصل الاجتماعى؛ إن الحركات الأيديولوجية تعمد إلى استراتيجية «احتكار الفهم» عبر توظيف مفردات تراثية في سياقات إقصائية؛ فتستحضر مصطلحات مثل «الفرقة الناجية»، «أهل الحق»، و«الطائفة المنصورة» في مواجهة «أهل البدع» أو «السقوط العقدى».
الفارق الجوهرى هنا أن هذه المصطلحات في «العلوم التراثية» كانت فئات (وصفية) لمذاهب كلامية أو فقهية، لكنها في العقل المنغلق تحولت إلى أدوات (معيارية) للفرز الاجتماعي و«تأثيم الآخر»؛ من خلال هذا التلاعب، تصبح الجماعة هى «الناطق الوحيد باسم السماء»، وينقسم العالم إلى ثنائية حادة: (داخل دائرة النجاة / خارج دائرة النجاة)؛ هذا «الفرز» يهيئ العقل نفسياً لرفض الآخر كلياً، بل وقبول العداء تجاهه بوصفه «عدواً للحق» الذي لا يملكه سواه، فتتحول الهوية الدينية من «منظومة قيم» إلى «أداة فصل» تقطع أواصر الرحمة الإنسانية.
هندسة التجنيد النفسى.. التدين كدرع دفاعى
خلف هذا الانغلاق تكمن بنية نفسية يتم تشكيلها بعناية فائقة فيما نسميه «التدين الدفاعى»؛ يتم اصطياد الأفراد عبر عملية معقدة يمكن تفكيكها إلى أربع مراحل استراتيجية:
1- اصطياد الشعور بالظلم: استهداف الشباب الغاضب أو من يشعرون بالتهميش، وتفسير أزماتهم الشخصية بأنها «مؤامرة عالمية على الدين».
2- صناعة الهوية البديلة: إقناع الفرد بأن حياته السابقة كانت «ضياعاً» أو «جاهلية» أو «غفلة»، وأن قيمته الحقيقية لم تبدأ إلا حين أصبح جزءاً من «المشروع الإلهى» للجماعة.
3- العزل الفكرى: قطع الفرد عن كافة مصادر المعرفة الخارجية (العلماء الحقيقيين، المجتمع، التاريخ، الإعلام)، ليكون المصدر الوحيد لتلقى الحقيقة هو «رؤية القيادة».
4- الذوبان التنظيمى: هنا يتلاشى الفرد، ويصبح تفكيره صدى لتفكير الجماعة، ويتحول من إنسان باحث عن الحق إلى «آلة تنظيمية» ترى في الاختلاف تهديداً وجودياً لا يُمحى إلا بالإقصاء.
سوسيولوجيا الجماعة واستراتيجية «صناعة الأزمة»
وتدرك الجماعات المغلقة أن «الاستقرار يقتل الأيديولوجيا»، لذا فإنها لا تنتظر الأزمات بل «تصنعها»؛ وهنا نجد الأثر الواضح لمنظِّرين مثل سيد قطب، الذي مثّلت أفكاره الجسر الرابط بين النص الفكرى والسلوك التنظيمى الصراعى.
إن «احتكار الحقيقة» يستتبع بالضرورة تحقير المجتمع القائم واعتباره «مجتمعاً ضالاً» يجب هدمه وإعادة بنائه، وتتجلى هذه الاستراتيجية في أدوات عملية تهدف لزعزعة الاستقرار، مثل:
● افتعال الأزمات الخدمية: التلاعب بأزمات الوقود أو الغذاء لإشعار الناس بفشل الدولة.
● تعطيل الحياة اليومية: قطع الطرق وإثارة الفوضى لضرب مفهوم «الفضاء المشترك».
● التضخم الإعلامى: تحويل كل مشكلة صغيرة إلى «كارثة وطنية» لخلق حالة من الإحباط العام.
هذا الانتقال من «الفكرة» إلى «الأزمة» يهدف لتقديم الجماعة نفسها كبديل وحيد ومنقذ، مما يثبت أن الإرهاب يبدأ باحتكار الفهم وينتهى بتفخيخ الواقع.
ويبقى السؤال، ما هو موقف الشرع الشريف من هذا كله؟!
المرجعية الشرعية: الوحى ورحابة «الإدارة المحمدية» للتنوع
حين نعود إلى الوحى الشريف بمنظور مقاصدى، نجد أن التعددية مراد إلهى أصيل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [سورة هود: 118]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، إن «التعارف» يقتضى وجود المغايرة لا صهر الجميع في قالب واحد.
وفى «الرحابة المحمدية»، نجد أعظم مثال في واقعة «بنى قريظة»؛ حين اختلف الصحابة في فهم قول حضرة النبى صلى الله عليه وسلم: «لا يصلينَّ أحد العصر إلا في بنى قريظة»، فمنهم من صلّى في الطريق (فَهِم المقصد وهو السرعة)، ومنهم من صلّى بعد الوصول (فَهِم الحرفية)، فلم يعنف حضرة النبى صلى الله عليه وسلم أحداً منهما.
هذا «الإقرار النبوى» بتعدد وجوه الحقيقة في النص الواحد هو النسف الحقيقى لدعاوى الاحتكار، ويثبت أن المجتمع النبوى كان «مجتمعاً مديراً للتنوع» وليس مجتمعاً مغلقاً، وأن الدين جاء ليرسخ قيم «الرحمة والعمران» لا بذور التكفير.
فأين أصحاب الدعوات التكفيرية والداعون إلى الاستقطاب المجتمعى من هذا كله؟! وكيف تؤثر هذه الدعوات على حاضرنا ومستقبلنا؟
المآلات الحضارية: غياب الشهود وانتحار العمران
إن سيادة نمط التدين المنغلق تؤدى إلى انهيار «الشهود الحضارى» للأمة، وتتجلى الخسائر فى:
● تفكك النسيج المجتمعى: تحول المجتمع إلى جزر منعزلة (مؤمن/كافر، ناجٍ/هالك)، مما يدمر الثقة ويستبدلها بالشك والتخوين.
● تعطيل طاقة الاجتهاد: حين يُحتكر الفهم، يموت العقل المبدع، وتتحول المعرفة إلى مجرد «اجترار» لمقولات القيادة.
● تشويه صورة الإسلام: تقديم الدين كـ«هوية صراعية» تنفر العقول الحرة والشباب، مما يعطل قدرة الإسلام على تقديم إجابات لأسئلة العصر الوجودية.
فما السبيل للعودة للمنهج المحمدى الحضارى الذي يتميز بالاتساع والتنوع؟!
إن استعادة «الروح الحضارية» للتدين تتطلب العمل على أربع ركائز لا غنى عنها:
1- ترسيخ فقه الاختلاف: تربية الوعي على أن التعدد في الفهم ثراء لا عداء، وأن «الحق» نور يظهر في مرايا متعددة.
2- استعادة المرجعية العلمية الرصينة: العودة للعلماء الذين «يبنون الفهم» ولا «يصنعون الصراع»، ويؤمنون أن دور العالم هو الحفاظ على السلم المجتمعى.
3- عقلية المقاصد: ربط التدين بغاياته الكبرى (الرحمة، العدل، الجمال)، فكل ما خرج عن الرحمة إلى القسوة فليس من الدين في شىء.
4- تعزيز الوعي المجتمعى: الوعي هو حائط الصد الأول؛ وكلما أدرك الناس كيف تُصنع الأزمات وتُوظف العواطف، سقطت مشاريع الاحتكار.
وفى النهاية، ما وراء الخوف من الاختلاف!
فى ختام هذا التشريح، ندرك أن المعركة الحقيقية ليست مع «الاختلاف» في ذاته، بل مع «الخوف» منه، إن المجتمعات لا تُهزم حين تواجه الأزمات، بل تُهزم حين تفقد وعيها وتسمح لمن يحتكرون الحقيقة بأن يعبثوا بمصيرها.
إن فهمنا لكيفية تحول الدين إلى هوية صراعية هو الخطوة الأولى في طريق التحرر الحضارى، وفى مقالنا القادم، سنمضى في تفكيك هذه السلسلة لنرى: كيف يتحول الانغلاق الفكري إلى «تجريم منهجي» يهدد بنيان الأمم؟ وكيف يظل الوعي هو الملاذ الأخير لاستعادة إنسانية التدين ورحابته.