الشيخ عبدالبديع.. تلاوة مطمئنة ونمط فريد

حسين القاضى

حسين القاضى

كاتب صحفي

فقدت سوهاج واحداً من أعلام التلاوة بها، هو الشيخ عبدالبديع عباس سليم، الذى تجاوبت معه أذن قريته شطورة والقرى المجاورة، فقد كان صاحب أداء متماسك، فيه سمو وجمال وحنو ورفق وطمأنينة، وأسلوب بعيد عن الركاكة والبهرجة، وقد التزم فى تلاوته الحشمة والوقار، مراعياً الأحكام، من غير جفاء ولا تكلف ولا اعوجاج فى اللسان.


وللشيخ عبدالبديع نمط أو رتم نغمى واحد، لا يعرف القفزات أثناء التلاوة، كأن تلاوته مسطرة واحدة، فهو يبدأ من الدرجة المنخفضة، ويستمر عليها، ولا يتدرج إلى مرحلة الصوت المرتفع، أو ما يسمونه جواب الجواب، وهذا أمر قد يراه البعض سلبياً، إلا أن الشيخ جعل من الرتم الواحد موضع التألق والجمال والإبداع، ولم يحس معه المستمع بالملل، وكان هذا سر تألقه.


وهو فى هذا يشبه القراء الكبار، الذين جعلوا من المآخذ أسباب تألق ونجاح، فيذكر الخبير هيثم أبوزيد فى كتابه (التلاوة المصرية) أن الشيخ محمد رفعت كان ضريراً ومريضاً وفقيراً ويقرأ فى مسجد صغير، فانقلب كل ذلك لأسباب قوة وخلود، فانتشرت تلاوته، وتوهجت حنجرته، وكان صوته مصمماً لجمهور سميع، وأيضاً فإن «الخنْفة» الموجودة عند القارئ محمود على البنا قد تعد عيباً فى صوت أى مطرب أو قارئ، لكن «البنا» جعلها ميزة تحبها الجماهير.


وهكذا كان الشيخ عبدالبديع من نمط واحد استطاع أن يتألق، ويصمم أداءه لمستمع لا يستعجل، ويصممه لأصحاب الأمزجة من العاشقين للتلاوة، وبهذا النمط تألق وأبدع، وتأنق وأجاد، وكتب الله القبول لتلاوته.


أما عن حياته فقد زرته منذ سنتين مع بعض أبناء القرية، وقال لى إنه وُلد سنة 1946م، وحفظ القرآن فى الثالثة عشرة من عمره، وإن أباه وجده من حفظة القرآن، وتأثر بوالده، وانتقل الأثر إلى نجله الشيخ ممدوح وغيره.


أخذ القرآن والقراءات عن الشيخ سلمان هدهد، والشيخ عبدالله جلال «من قرية الشيخ زين الدين»، والشيخ أبوالوفا عبدالعزيز، وكان يحب تلاوات القارئ الفقيه الشيخ أحمد فرج نوار، ويقول إنه يشبه الشيخ الحصرى، ومن أبنائه، يحب سماع الشيخ عبدالناصر صقر والشيخ جلال اللقلق.


وأول تلاوة له كان عمره 14 عاماً، فى حفل زفاف الشيخ أحمد محمود عبدالله علم الدين، حيث حضر الشيخ أبوالوفا عبدالعزيز، والشيخ محمد الخطيب، والد العالم الكبير الشيخ محمد الواعظ، فقدموه للقراءة، وقرأ: «قد أفلح المؤمنون» إلى قوله: «وعليها وعلى الفلك تحملون»، فنال إعجاب الجميع، وبعدها ذاع صيته قارئاً متفرداً.


قلت فى كتابى (جمهرة الأزهريين فى شطورة): إن الشيخ أحدث نقلة فى التلاوة، وتميز بثلاثة أمور: الأول: الدقة فى الأحكام، حتى إن العالم الكبير الدكتور على أحمد طلب، قال: «كل قراء القرية لهم شأن ومكانة، لكن أحب سماع الأحكام والوقفات من الشيخ عبدالبديع»، الثانى: أنه غير مقلد، الثالث: أنه يقرأ من كل سور القرآن بنفس الكفاءة، فيقرأ من «يوسف» كما يقرأ من «المائدة».


ولو عرفته الإذاعة لكان له شأن آخر، ومما أسجله أن الفقيد كان يشيد بكلماتى التى ألقيها فى بعض سرادق العزاء، ويقول إن فيها جديداً غير مكرر.


جاء منعاه يوم 11 مارس 2026م فى شهر رمضان، ليلحق بأعمدة التلاوة فى القرية، وآخرهم الركن الكبير فضيلة القارئ الأستاذ الشيخ العربى أبورية، ولقد شهدت شطورة مأتماً غَصَّ بآلاف المشيعين لجنازة الشيخ عبدالبديع، عن حسرة كاوية، وفجيعة كارثة، تسوقهم اللوعةُ الجارفة، والحزنُ الشديد، والتقدير الحار لأحد أكبر قراء القرية العاشقة لأنغام السماء، ومضى الركبُ إلى مثواه الأخير بمقابر القرية، وسط الحشود الزاخرة، وانطفأت بوفاته صفحة عظيمة من صفحات التلاوة، ورحل فرع الشجرة الوارف، ليرتقى عند آخر آية قرأها.


أودع صحبى واحداً بعد واحدٍ ** فأفقد جنبى جانباً بعد جانبِ
فيا دهر دع لى من فؤادى بقيةً ** لوصل ودودٍ أو تذكرِ غائبِ
ودع لى من ماء الجفون صبابةً ** أجيب بها فى البين صيحةَ ناعبِ
(وسلامٌ عليه فى الخالدين).