«ترامب» وصراعه مع الإعلام الأمريكي
بعد مرور ثلاثة أسابيع على الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أصبحت التساؤلات الصامتة داخل القاعدة الجماهيرية لترامب تخرج للعلن، والتشكيك في جدوى الحرب يتصدر وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، إذ يتسم تعامل الإعلام الأمريكي مع الحرب الحالية وتصريحات الرئيس ترامب بالانقسام الشديد، حيث يواجه الرئيس الأمريكي تدقيقًا غير مسبوق من الصحافة التقليدية مقابل دعم من منصات أخرى مؤيدة.
الإعلام الأمريكي الليبرالي لا يقتنع بما يقوله ترامب عبر منصته «تروث سوشيال» بل يفند تصريحاته ويدقق فيها باستخدام أدوات تحقق بشكل مكثف لمواجهة ما يصفه بالادعاءات غير الدقيقة، فبينما يصرح ترامب بأن الولايات المتحدة قريبة جدًا من تحقيق أهدافها، وبدأت في تصفية الجهود العسكرية، ركزت كبرى الوسائل الإعلامية (مثل سي بي إس نيوز، ونيويورك تايمز) على التناقضات الصارخة، فأشارت التقارير إلى أنه في الوقت الذي تحدث فيه ترامب عن النصر، كانت وزارة الدفاع الأمريكية ترسل 2200 جندي مارينز إضافي و3 سفن حربية إلى المنطقة، مما ينفي رواية إنهاء الحرب! لم تكتف الصحف الكبيرة في تسليط الضوء على ما يجري في الميدان وتحري الدقة في المعلومات، بل أصبحت تشكك في الأهداف، ووصفت وسائل الإعلام مثل (اكسيوس وسي إن إن) التصريحات بأنها مختلطة، حيث يزعم ترامب تدمير القدرات النووية، بينما لا يزال البنتاغون يضع خططًا لعمليات برية محتملة في جزيرة «خارج».
وبسبب ارتفاع أسعار الوقود وتأثر الأسواق العالية، لجأ الإعلام إلى استخدام لغة الأرقام للرد على الرواية التي تؤكد النصر، وأبرزت الصحف الاقتصادية مثل «وول ستريت جورنال» أن اضطرار الإدارة الأمريكية لرفع العقوبات مؤقتًا عن النفط الإيراني العالق في البحر، هو دليل على أن الحرب لم تحقق استقرارًا، بل أدت إلى ضغط اقتصادي على الداخل الأمريكي، بما في ذلك فشل واشنطن في إقناع حلفاء الناتو بالمشاركة في الحرب، مما يجعل رواية «النصر» تبدو وكأنها نصر معزول سياسيًا.
الصحافة الأمريكية وخاصة المنابر الرئيسية مثل (نيويورك تايمز وواشنطن بوست وسي إن إن) وغيرها من الإعلام الرئيسي، تتعامل مع حرب إيران وتصريحات ترامب بطريقة نقدية حادة جدًا وتركز بشكل متكرر على وصف بعض تصريحاته بأنها مضللة غير مدعومة بالأدلة، أو حتى كاذبة، ومن هذه الملاحظات نجد أن الإعلام الأمريكي بدأ في التحول ولا ينقل تصريحات ترامب كحقائق، بل كـ«ادعاءات سياسية» تخضع للمقارنة الفورية مع تحركات البنتاغون الفعلية وأسعار النفط في محطات الوقود.
لعل هجوم الرئيس الأمريكي المستمر على الإعلام يؤكد عدم رضاه عما يتناوله من محتوى حول الحرب، ولا يعجبه توجيه النقد أو التشكيك فيما يفعل أو يدلي به من تصريحات، ويتهمه يوميًا بالكذب والرغبة في هزيمة أمريكا، والتنسيق مع إيران، ونشر فيديوهات مزيفة بالذكاء الاصطناعي، (مثل صور لحاملة الطائرات ابراهام لينكولن وهي تحترق). ويرد عليه الإعلام بأنه هو من ينشر الفيديوهات المزيفة وليس العكس، ويقوم بتفنيد هذه المزاعم بدقة متناهية.
بشكل عام الإعلام الأمريكي الرئيسي يرى أن ترامب يسوق لمعلومات ضبابية بنفسه، ليغطي على صعوبات الحرب (كارتفاع أسعار النفط، وقوع خسائر بشرية ولوجستية، استهداف الحلفاء) ويبرر تناقضاته وادعاءاته غير المدعومة، ويصور الحرب كـ«فخ تصعيد» بلا استراتيجية خروج واضحة، كما يحذر من أن النصر الذي يعلنه ترامب قد يكون "نصرًا أجوف" يجر المنطقة لسنوات من الصراع.
في المقابل فإن إدارة ترامب تهاجم الإعلام وتهدد بسحب تراخيص بعض القنوات، أما الإعلام المحافظ فهو يتبنى السردية الرسمية، ويميل أكثر لدعم ترامب مثل (فوكس نيوز) وينقل هجومه على الإعلام الذي يعتبره فاسدًا والتغطية السلبية للحرب، لكنه أقل تركيزًا على تسمية تصريحات ترامب مضللة بشكل مباشر مقارنة بالإعلام الليبرالي، ويميل لدعم رواية القوة، معتبرًا أن الضربات الجوية «أدبت النظام الإيراني»، لكنه بدأ يطرح تساؤلات حول مدة بقاء القوات وتأثير ذلك على الانتخابات النصفية القادمة في نوفمبر المقبل.
أما القاعدة الجماهيرية فإن ترامب بالنسبة لهم ليس مجرد سياسي، بل هو مصدر الحقيقة البديل للإعلام التقليدي، فعندما يعلن ترامب الانتصار رغم وجود حشود عسكرية يفسر مؤيدوه ذلك بأنه تكتيك تفاوضي، أو حرب نفسية لإجبار إيران على الاستسلام، وليس بالضرورة كمعلومة عسكرية مجردة.
إن جزءًا كبيرًا من التصديق ينبع من كراهية المؤسسة الإعلامية، فإذا قال الإعلام أن ترامب يكذب، يزداد تمسك مؤيديه بروايته كنوع من التحدي للنخبة، وعلى الرغم من ذلك فإنه لأول مرة منذ سنوات بدأت استطلاعات الرأي مثل استطلاع معهد كوينسي، تظهر تراجعًا في التأييد الأعمى بسبب عاملين: الأول وعده بإنهاء الحروب الأبدية، فالكثير من مؤيدي ترامب انضموا إليه لأنه وعد بعدم توريط أمريكا في حروب جديدة، ورؤية القنابل تسقط على إيران خلقت حالة من الارتباك المعرفي لديهم، فهم يريدون دعم زعيمهم، لكنهم يكرهون الحرب، والسبب الثاني يعتمد على انقسام الأجيال، فالشباب في حركة MAGA هم الأقل تصديقًا لرواية النصر والأكثر معارضة للحرب، حيث تظهر الاستطلاعات أن 46% منهم يعارضون العمليات العسكرية الحالية.
وهناك نقطة ضعف يتوقف عندها التصديق، وهي ارتفاع أسعار الوقود، بينما يصدق المؤيدون أن ترامب دمر القدرات النووية، إلا أنهم يجدون صعوبة في تصديق أن الأمور تحت السيطرة عندما يرتفع جالون البنزين! يبدو أن الكتلة الصلبة لا تصدق ترامب لأن كلامه منطقي، بل تصدقها لأنها تريد له أن ينجح، ومع ذلك فإن هذه الثقة بدأت تتآكل عند الأطراف بسبب الخوف من حرب أبدية أخرى.