هندسة الأوامر

رفعت رشاد

رفعت رشاد

كاتب صحفي

من أهم التعبيرات في مجال علوم وأدوات الذكاء الاصطناعي، تعبير «هندسة الأوامر»، أي فن وعلم صياغة التعليمات التي تعطى لأدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على أفضل نتيجة ممكنة، لكنها في عمقها تتجاوز البساطة؛ فهي مزيج من التفكير النقدي، والقدرة على التحليل، وفهم كيفية تفكير الآلة، إنها مهارة تشبه إلى حد كبير مخاطبة عقل مختلف، عقل لا يفهم النوايا الضمنية، لكنه يستجيب عندما تخاطبه بلغة واضحة، منظمة، ومقصودة، كيف تسأل لتحصل على ما تريد بدقة ووضوح.

شاهدت على شاشة التليفزيون حديثا مع أحد رؤساء جوجل السابقين، كان الرجل متحمسا في طلبه ضرورة تدريس هندسة الأوامر في الجامعات. يرى أنه لو لم يفهم الفرد أو الشاب في المستقبل محتوى هندسة الأوامر بدقة أو إذا لم يُجِد هذه الهندسة فإن فوائد الذكاء الاصطناعي لن تكوت كاملة، أو لن يستفيد الشخص بصورة كافية من تعامله مع الذكاء الاصطناعي، فالمعرفة لم تعد حكرا على من يحفظ، بل لمن يحسن السؤال، لذلك ينمو مفهوم جديد داخل العملية التعليمية، تدريس هندسة الأوامر، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة جامدة تعطي إجابات نمطية، بل أصبح كائنا رقميا شديد الحساسية للصياغة، دقيق الانتباه للتفاصيل، يتغير أداؤه تبعا للكلمة، بل للحرف أحيانا.

حين تطورت نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية، لم يكن التحدي في قدرتها على الإجابة، بل في قدرتها على الفهم، لذلك ظهر الدور الحاسم للمستخدم، فاستجابة الذكاء الاصطناعي مرآة تعكس دقة وجودة السؤال، هكذا نشأت هندسة الأوامر كجسر بين الإنسان والآلة، جسر لا يرتكز على التقنية وحدها، بل على البلاغة، والدقة، والوعي بالسياق، لذلك تدريس هندسة الأوامر بالجامعات لم تعد ترفا فكريا، بل ضرورة عملية.

طالب الهندسة، أو الطب، أو الإعلام، سيجد نفسه عاجلا أم آجلا في مواجهة أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على تسريع عمله أو عرقلته، يتوقف هذا على مهارته في استخدامها، لذلك تدريس هندسة الأوامر ولو لعام واحد، يمكن أن يرفع كفاءة الطلاب في البحث والتحليل، يقلل الوقت الضائع في تجارب عشوائية، يمنحهم ميزة تنافسية في سوق العمل، ويعزز قدرتهم على التفكير المنطقي وصياغة الأفكار، بل ربما تصبح هذه المهارة في المستقبل القريب معيارا للتفوق المهني والوظيفي.

لا يتطلب تعلم هندسة الأوامر وجود معامل معقدة، بل عقول فضولية وتجربة مستمرة، وبذلك يمكن تعلمها عبر التجربة والخطأ، بإعادة صياغة نفس السؤال بطرق مختلفة، وتحليل النتائج، لماذا نجحت إجابة وفشلت أخرى؟، ومع الوقت، يتحول المستخدم من سائل عادي إلى مهندس أوامر قادر على استخراج المعرفة بدقة تكاد تكون جراحية.

لكن، هل ستبقى الأوامر كما نعرفها الآن؟ الإجابة قد لا تبقى الأوامر في صورتها النصية الحالية، وقد تتحول إلى أوامر صوتية أكثر تفاعلية أو واجهات بصرية أو أنظمة تفهم النوايا دون حاجة لصياغة دقيقة.

لكن تطور الوسائل لا يلغي الفكرة الأساسية، جودة النتيجة تعتمد على جودة التوجيه.

إذا الجامعات أرادت أن تواكب العصر، لا تحتاج تحديث المناهج فحسب، بل إلى إعادة تعريف المهارة نفسها، بوضوح، لم يعد الذكاء في معرفة الإجابة، بل في طرح السؤال الصحيح.