حين يتحول الدين إلى طقس: أين غاب المعنى؟
ما الفارق بين أن يكون المرء متديناً -بالتصور الشائع- وأن يكون حاملاً للدين في قلبه؟!
الأول يؤدى شعائره، ويلتزم بمظاهره، ويحرص على صورته أمام الناس، وهو أمر حسن، ولكن إذا أتى مقترناً بصلاح القلب، وهذا هو حال الثانى؛ فيحمل الدين بوصفه معنى يسكن الداخل قبل أن يظهر على الخارج، ورؤية تضىء به الإنسان قبل أن يضىء بها العالم.
وما نعيشه اليوم في مشهد التدين المصرى والعربى المعاصر -خاصة في مساحات الفضاء الإلكترونى- هو أن الأول يتكاثر، والثانى يتراجع، في ظاهرة لا تعنى أبداً انتشار الدين، بل تعنى -في جوهرها الحضارى- شيوع قشرته وخفوت لبّه.
الدين في أصله الأعمق ليس مجموعة من الأحكام والشعائر وإن كانت جزءاً منه، ولا هو منظومة من المحرمات والواجبات وإن كانت أطره الضرورية؛ ولكن الدين في جوهره منظومة معنى شاملة؛ طريق يربط الإنسان بخالقه، وبوصلة تضبط علاقته بنفسه، وأفق يوجّه مساره في الحياة.
وظيفته الكبرى هى بناء الإنسان من الداخل: تكوين الضمير، وتهذيب الإرادة، وتوجيه الطاقة نحو العمران؛ فحين يسأل القرآن الكريم: «أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ»، فهو لا يسأل عن كثرة الشعائر، بل عن البيّنة الداخلية التي تُنير صاحبها وتجعل منه قيمة حية في الوجود؛ ولهذا فإن الدين حين يكون حياً، تراه في سلوك الإنسان قبل أن تسمعه في خطابه، وتلمسه في أخلاقه قبل أن تقرأه في شعائره.
غير أن الذي حدث عبر عقود متراكمة هو عملية تفريغ ممنهجة -وإن لم تكن مقصودة دائماً- للدين من معناه الجوهرى، بدأ الأمر بتقليص الخطاب الدينى إلى مساحة الحلال والحرام دون أن يُبنى عليها صرح إنسانى، ثم تحوّل التعليم الدينى إلى تلقين أحكام بلا سياق مقاصدى، فغدت العبادة طقساً يُؤدَّى دون أن يُدرك المعنى الذي جاء لتحقيقه.
حين يقف الإنسان للصلاة دون أن يُحسّ بما تعنيه من وصل بالله وتجديد للعهد وإعادة لضبط الروح، تتحول الصلاة إلى حركات جسدية تُؤدَّى في مواقيتها، وحين يصوم دون أن يُدرك أن الصوم تدريب على سيادة الإرادة وتربية للضمير، يتحول إلى امتناع عن الطعام فحسب؛ ليس في هذا إدانة للشعائر، فهى الوعاء والإطار، لكن الوعاء الفارغ لا يُطعم أحداً.
ولفهم هذه الأزمة حضارياً، لا بد من استحضار التحول الكبير الذي طرأ على التدين المصرى تحديداً؛ كان التدين المصرى في أصله تديناً حياً، ممتزجاً بالوجدان قبل أن يكون ملتزماً بالشكل، يجمع بين روح المتصوف وعقل الفقيه وفرحة الإنسان بربه، تجده في بيت المصرى وفي سوقه وفي فنه وفي علاقاته الإنسانية.
كان الدين هناك حاضراً في طريقة الكلام وفي القيم التي تحكم التعامل وفي الشعور بالمسئولية الأخلاقية، وهذا بالطبع ما زال متعمقاً في الوجدان المصرى ولكن أصاب بعضهم تعكير لهذا الوجدان؛ حيث إن موجات متعاقبة من الخطاب الدينى الوافد والمحلى على حدٍّ سواء، أعادت تشكيل هذا التدين على صورة مختلفة؛ تدين يُقيس نفسه بالمظاهر ويُقيم غيره بالأشكال، فتحولت الطاقة الدينية من بناء الذات إلى الجدال حول التفاصيل، ومن العمل على العمران إلى الصراع على الصواب.
والنتيجة الحضارية لهذا التحول خطيرة في عمقها؛ حين يفقد الدين معناه الجوهرى، يتحول إلى عادة اجتماعية تُورث دون تفكّر، وإلى ممارسة شكلية تُؤدَّى دون وعى؛ ويظهر التناقض السلوكى الصارخ الذي نراه في مجتمعاتنا: إنسان يُحسن شعائره ويُسىء معاملته، يُتقن صورته الدينية ويغشّ في معاملته، يحرص على مظهره التقى ويُقصّر في أمانته، هذا التناقض ليس نفاقاً محضاً في الغالب، بل هو نتاج طبيعى لخطاب اختُزل في الشكل ففقد قدرته على التغيير الداخلى؛ حين لا يبنى الدين الضمير، لا يستطيع ضبط السلوك؛ وحين لا يُحرّك المعنى، لا تُجدى الشعائر.
والأخطر من هذا أن فراغ المعنى لا يبقى فراغاً طويلاً، بل يملؤه طرفان متناقضان يوهمان بأنهما نقيضان وهما في الحقيقة وجهان لأزمة واحدة: التشدد الذي يُفرّغ الدين من الرحمة ويُحوّله إلى أداة ضبط وإقصاء، والسيولة التي تُفرّغه من الالتزام وتجعله رهينة الأهواء، كلاهما يُعبّر عن إنسان فقد البوصلة المعنوية، فالتشديد بحثٌ عن يقين في الشكل بعد أن ضاع اليقين في الجوهر، والسيولة هروب من دين أصبح عبئاً بلا معنى، وكلاهما يُعمّق الأزمة بدل أن يحلّها.
وحين نضع هذا المشهد في سياقه الحضارى الأوسع، ندرك أنه حلقة في سلسلة من النهايات المتداخلة، فقد تكلمنا في مقالين سابقين عن نهاية اللغة التي أفقدتنا القدرة على التعبير عن المعنى، وعن نهاية التراث التي أفقدتنا الجذور والذاكرة.
وها نحن اليوم أمام نهاية الدين بوصفه منظومة غاية وبناء، والنتيجة المركّبة لهذه النهايات الثلاث هى اضطراب عميق في الهوية، واختلال في المعنى، وتفكك في البنى التي كانت تُوجّه الإنسان وتُرسّخه في وجوده، وما تبقى من نهايات -نهاية الأسرة ونهاية الدولة- سيكشف كيف يتداعى البنيان حين يُنخَر أساسه.
والخروج من هذه الأزمة لا يكون بالحنين إلى الماضى ولا بالنكوص إلى نماذج منتهية الصلاحية؛ فاستعادة الدين لا تعنى استعادة أشكاله القديمة، بل تعنى استعادة معناه الجوهرى: إعادة ربط الشعيرة بوظيفتها، والحكم بمقصده، والعبادة بأثرها في الإنسان والمجتمع، تعنى العودة إلى دين يبنى الضمير قبل أن يُقيّد السلوك، ويُحرّر الإرادة قبل أن يُلزم بالشكل، ويُنير العقل قبل أن يضبط الجسد، وهذه ليست دعوة إلى تجديد على الطريقة المستوردة، بل هى استعادة للوظيفة الأصيلة التي جاء الدين من أجلها: أن يبنى إنساناً يعرف لماذا يعيش.
وفي المقال القادم من هذه السلسلة، سنتأمل نهاية الأسرة؛ حين يفقد الإنسان آخر ما تبقّى له من دفء المعنى في علاقاته الأقرب وروابطه الأعمق، وسنرى كيف أن الإنسان الذي فقد لغته وتراثه ودينه لا يجد أخيراً ما يحتضنه، فيبدأ يفقد نفسه.