أيام في بلفاست (2)

نزلت فى بلفاست عاصمة أيرلندا الشمالية بفندق يسمى «أبيس»، له فروع فى مدن أوروبية عدة، ووجدتنى أستحضر بهذا الاسم لحظة مصرية قديمة جداً عن العجل «أبيس» الذي كان رمزاً دينياً عند الفراعنة، زاد من هذه اللحظة أن نافذة الفندق تطل على سكن طلاب إحدى الجامعات، فرُحت أملأ ناظرى منه، مستعيداً أيام سكنى بالمدينة الجامعية.

كنت قد لاحظت أثناء دوراننا فى شوارع حول الفندق حتى نصل إلى ذلك الذي يؤدى إليه مع اتجاه السير، فالمخالفات المرورية هنا باهظة، أن المحلات مغلقة، ولا يوجد ساهرون على مقهى، أو سائرون فى الشارع. قلت لزوجتى:
- لا تروق لى مدينة تنام مبكراً.
لكن «روث» قالت لى:
- بعض البارات مسموح لها بالسهر.
قهقهت وقلت:
- أريد «مقهى بلدى»، يقدم الشاى والقهوة والنارجيلة.
ابتسمت فى هدوء، وقالت:
- هذا يكون فى الصباح، لكن لا أعتقد أنه توجد نارجيلة هنا.
ما إن دخلنا الفندق حتى وجدنا ساهرين يتحلّقون حول طاولات بصالة الاستقبال، وبعضهم يلتهم عشاءً خفيفاً، أكثره عبارة عن أصناف من البيتزا الساخنة، إلى جانب مشروبات روحية. كان أغلبهم رجالاً ونساءً فارقوا الشباب منذ سنوات بعيدة، عرفت فى ما بعد أن هؤلاء ليسوا بالضرورة نزلاء الفندق، فهو مفتوح لكل من يقصد باحة استقباله، طالباً ساعات من سهر.
لكن ما إن دخلنا الغرفة حتى سمعنا قهقهة آتية من مكان قريب، فقالت «روث» التي أصرّت على أن تساعدنا فى حمل الحقائب:
- هؤلاء ساهرون فى بار قريب.
أصابنى شىء من ضيق، إذ لا يوجد مكان هنا يصلح لى ليلاً، وأنا المعتاد على النوم متأخراً، القادم من مدينة تسهر حتى الصباح.
فى الصباح تغيّرت ملامح المدينة كثيراً. لاحظت أن الفندق يمد طاولات على الرصيف الملاصق له، يجلس عليها شباب ورجال ونساء يحتسون البيرة، ولا شىء غيرها، ويدخّن بعضهم مع الشراب سجائر. ملأت عينى من الطاولات، وقلت مُجدداً لزوجتى ضاحكاً:
- البيرة هنا مكان الشاى عندنا.
ورُحنا ندفع الخطوات بعيداً، وإذا بالشوارع الفارغة الشاحبة ليلاً قد امتلأت أرصفتها بالعابرين، وفتحت محلات تبيع كل شىء، وحين مضيت فيها أنا وزوجتى بعد تناول إفطارنا فى الفندق، أدركنا أن ساعات النهار هنا ستكون طيبة، خصوصاً أننى وجدت مكتبة فى شارع جانبى تبيع الكتب القديمة، أغلاها باثنين ونصف من الجنيهات الإسترلينية، وأرخصها نصف جنيه فقط.
اشتريت بعض الكتب والروايات بأسعار مختلفة، وكان أغلبها معتبراً صالحاً لقراءة متجدّدة. لكن هناك مكتبة أخرى أخذتنى ثلاث ساعات كاملة، وأنا أقلب رفوفها على مهل، لأطالع العناوين. كانت مكتبة دينية، تابعة لإحدى الكنائس، فيها كتب لأعمار مختلفة، فهناك قسم للأطفال وآخر للفتيان أو اليافعين، وثالث للكبار، إلى جانب قسم لبيع الأدوات المكتبية.
رحت أجيل النظر فى العناوين، فكانت كتباً فى أغلبها وعظية أو حول تاريخ المسيحية وتعاليمها. ولفت نظرى قسم آخر لمحت على كعب أحد كتبه كلمة «إسلام»، فأعطيته وقتاً لأطلع على ما فيه، فإذا به لا يخرج عن تلك المؤلفات التي تقدح فى الإسلام أو تُشكك فيه، وفق رؤية استشراقية، وكذلك كتب لأناس أعلنوا إلحادهم أو تنصروا، وأخرى تحوى تجارب البعض مع التنظيمات السياسية والمسلحة الإسلامية بعد أن فارقوها إلى غير رجعة.
لم يكن هناك كتاب واحد يعرض رؤية الإسلام أو نصه المؤسس وهو القرآن الكريم لأهل الكتاب، ولا معاملة المسلمين أيام حضارتهم التي تسيّدت العالم سبعة قرون للمسيحيين واليهود، ولا موقف المؤسسات الإسلامية المعتدلة، ولا حتى شىء من مقارنة الأديان وأصولها.
لفت انتباهى أن رواد المكتبة قلة من كبار السن، وكانت هناك امرأة واحدة تقلب فى قسم الأطفال، ومعها صغيرها، تتوه عيناه فى رسومات الأغلفة الملونة. ابتسمت وقلت فى نفسى:
- ماذا لو كانت هناك مكتبة بهذه الكيفية فى القاهرة، تعظ بالإسلام وتنشره، وتقدح فى غيره على نحو ما رأيت؟ ألم يكن وقتها نجد من يهاجمها؟ وأجبت: كان هذا سيحدث، ولنقادها الحق، فمن المهم ألا ينزلق الناس إلى ازدراء العقائد وأصحابها.
وتذكرت ما وقر فى رأسى حول الرؤية الاستشراقية والمركزية الأوروبية، وما خلقتاه من صور نمطية عن المسلمين، وتساءلت عما يمكن أن تجرح به مكتبة مثل هذه كل دعاوى الحوار بين أتباع الأديان والمعتقدات والحضارات والثقافات.