تصدير مفاهيم «30 يونيو»

ظن كثيرون أن ما جرى في مصر في الثلاثين من يونيو كان حدثاً محلياً ينحصر مداه داخل الحدود الوطنية، لكن السنوات التي تلت تلك اللحظة الفارقة أثبتت أن الأمر كان أبعد من مجرد تغيير سياسي، أو غضب شعبي، فالثورات حين تندلع، لا تصدّر جيوشاً أو بيانات، بل تُصدّر خبرات وتجارب ومفاهيم وأسئلة كبرى، ولعل أبرز ما تجسّد في هذا الإطار هو انتقال التجربة المصرية إلى العالم، إذ غدت دليلاً عملياً ومكاشفة صريحة لطبيعة مشروع جماعة الإخوان الإرهابية، وآليات عملها، وعلاقتها الملتبسة بمفهوم الدولة الوطنية، حسب أنها جماعة سياسية متطرفة تعمل على إقصاء الجميع من خلال رفع الشعارات الدينية.

ومع مرور الوقت، بدأت أصداء تلك التجربة تصل إلى أوروبا، لا عبر الشعارات أو الحملات الدعائية، بل عبر أسئلة وجودية فرضت نفسها على مراكز الأبحاث والدوائر الأمنية وصناع القرار: هل تلك الجماعة تيار دينى يسعى للاندماج في المجتمعات الغربية، أم أنها مشروع سياسى وتنظيمى عابر للحدود؟ وهل غايتها المشاركة في المجتمع أم إعادة تشكيله؟ تلك التساؤلات التي طُرحت مبكراً في القاهرة، أصبحت اليوم مطروحة بقوة في برلين وعواصم أوروبية أخرى. وبينما كان يُروج لمقولة أن «العقلية الغربية تفهم أسرع»، أثبتت التجربة أن الوعى المصرى كان يسبق نظيره الغربى بأشواط، إذ ظن الغرب لسنوات أنه قادر على ترويض الذئب الإخوانى، ليدرك لاحقاً حقيقة أن «الذئب يظل ذئباً ولو أرضعته شهدا».

ومن هنا، يُمكن قراءة التحول اللافت في نظرة المؤسسات الألمانية للجماعة، فالقضية تجاوزت أسئلة الأمن التقليدية أو مخاطر العنف المباشر، لتصل إلى عمق مفاهيم الهوية والاندماج ومستقبل الدولة الوطنية. فقد اكتشفت الدوائر الألمانية أن التحدى الحقيقى لا يكمن فقط في الجماعات التي تعلن عداءها السافر، بل في التنظيمات التي تمتلك قدرة فائقة على العمل الهادئ، وتشييد شبكات نفوذ طويلة المدى تحت عناوين دينية أو حقوقية برّاقة.

وهو ما دفع أوروبا اليوم إلى إعادة قراءة التجربة المصرية من زاوية مختلفة، حيث تحول التساؤل الذي طرحته القاهرة قبل سنوات عن «الولاء النهائى» -هل هو للدولة الوطنية أم للتنظيم العابر للحدود؟- إلى هاجس يُؤرق صانع القرار الأوروبى، إذ لم يعد السؤال متعلقاً بمواطنين يُسهمون في بناء المجتمع، بل بمشروع يعمل بصبر وتدرّج على تأسيس «مجتمع موازٍ» داخل المجتمع القائم، يحتفظ بقواعده الخاصة ودوائر ولائه المستقلة، حتى إن تستر خلف واجهات الاندماج.

ولم ينشأ هذا الوجود الإخوانى في ألمانيا من فراغ، بل تأسّس عبر شبكة مؤسسية دقيقة وضع لبناتها الأولى شخصيات محورية، مثل سعيد رمضان وعصام العطار، اللذين نجحا منذ ستينات القرن الماضى في تحويل «المركز الإسلامى في ميونيخ» إلى حجر زاوية للتنظيم في أوروبا، ومنذ ذلك الحين، تطورت خريطة التغلغل لتتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً عبر كيانات مثل «جمعية المجتمع الإسلامى الألمانى» التي باتت تعمل كمنظمة مظلية تُنسق من خلالها الجماعة أنشطتها في ولايات حيوية، مثل بافاريا وشمال الراين-وستفاليا.

وفي المشهد الراهن، انتقلت الجماعة من استراتيجية القيادة المركزية الواضحة إلى العمل المؤسسى الصامت، حيث توظف وجوهاً شابة وقيادات نسائية تعمل تحت عناوين «حقوقية» أو «تعليمية» لاختراق مفاصل المجتمع الألمانى، مستغلة التنافس بين المنظمات الإسلامية الكبرى لتعزيز نفوذها، هذا الهيكل التنظيمى، الذي يمتد من مراكز الأبحاث إلى الأنشطة التربوية والجمعيات الأهلية، ليس إلا واجهة لعمل دؤوب يهدف إلى تأسيس بنية تحتية لمجتمع موازٍ، يضع ولاءاته التنظيمية فوق عقد المواطنة الألمانية، مما جعل هذه الكيانات -التي ظلت لسنوات طويلة تتمتّع بغطاء شرعى- هدفاً رئيساً لعمليات الرصد والتقييد من قِبل هيئة حماية الدستور الألمانية بعد أن تكشّفت أهدافها الحقيقية.

وخلال السنوات الخمس الماضية، وبناءً على عمل استخباراتى وبحثى مستمر، تبلورت لدى سلطات برلين قناعة بأن الجماعة لا تسعى للاندماج، بل للتغلغل بغية بناء مجتمع مغاير يتصادم في جوهره مع أسس النظام الديمقراطى.

ومن هنا أدركت ألمانيا أن استراتيجية «التلون» التي تتبعها الجماعة -بالظهور بمظهر المدافع عن الحريات في العلن، بينما تبطن أجندة تنظيمية صلبة في الخفاء- تهدف في نهاية المطاف إلى عزل المسلمين عن محيطهم الألمانى. هذا التخوف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج رصد دقيق لاستغلال الجماعة للأطر القانونية لتأسيس حاضنات فكرية تُعزّز الانفصال الشعورى، وتطرح مفهوماً للهوية يضع «الانتماء للجماعة» فوق «الانتماء للدولة»، مما يخلق اغتراباً ممنهجاً داخل النسيج الوطنى الألمانى.

أما الصمت الألمانى الذي دام عقوداً، فلم يكن ناتجاً عن غفلة، بل كان محصلة لتركيبة معقّدة من الحسابات السياسية والالتزام الأخلاقى بـ«التعدّدية الديمقراطية» في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لقد فتحت ألمانيا أبوابها كـ«ملاذ آمن» للمعارضات، واستغلت الجماعة هذا المناخ لتُقدم نفسها ككيان سياسى مُعتدل ومضطهد، كما استغلت «الفراغ المؤسسى» في تمثيل الجاليات لتُنصّب نفسها مفاوضاً وحيداً أمام السلطات. ولكن، حين تحولت هذه الشبكات إلى تحدٍّ موازٍ لسلطة الدولة وتماسكها الثقافى، بدأ هذا الغطاء يتآكل.

ولذلك فإن المفارقة اليوم هى أن الأصوات الأوروبية التي كانت تنتقد الموقف المصرى في الماضى، باتت اليوم هى التي تُردد التحذيرات ذاتها.

ومن أجل هذا فإن الإجراءات الألمانية الأخيرة ليست في الحقيقة مجرد خلاف مع جماعة سياسية أو دينية، بل هى تجسيد لصراع أعمق بين مفهومين للدولة: مفهوم يرى الوطن إطاراً نهائياً للولاء، ومفهوم يجعل الانتماء العقائدى والتنظيمى عابراً للحدود الوطنية. إنها قضية تتجاوز الأمن والسياسة، لتضع مستقبل الهوية والدولة الوطنية نفسها على المحك.