في ذلك المساء
منذ التاسع من يونيو عام 1967 يواصل العالم أجمع محاولة تفسير موقف الشعب المصرى أساساً وحتى شعوب العالم العربي والعالم، من النزول إلى الشارع بعد دقائق معدودة من خطاب الزعيم الخالد جمال عبدالناصر الذي أعلن فيه تنحيه عن الحكم.
كنت مع زوجي الراحل نتابع أخبار العدوان علينا، وكان زوجي قد أُفرج عنه منذ أشهر وممنوعاً من العمل، بعد تنقلي المتواصل من الإذاعة الإسرائيلية إلى الإذاعة الأمريكية، توجهت لزوجي وأنا أقول له، أمريكا وإسرائيل أعدائي وهما يشنان حملة كراهية رهيبة ضد جمال عبدالناصر، إذن فهو حبيبي، تطلع إلىَّ «علي» والدموع تملأ عينيه قائلاً: نفس سيناريو محمد على بيتكرر!
كنت على شفا الجنون من شماتة الإذاعتين، وتابعت كيف كانت الطائرات الأمريكية تخرج من قاعدة هويلس في ليبيا وتشارك في الحرب علينا.. وبعدما تحقق الأعداء من هزيمتنا نزعوا قناع الحرب، النبيلة، ورفعوا كئوس الخمر احتفالاً بالانتصار على أشرس أعدائهم في العالم بأثره. أصابتهم لوثة من مكانة الرجل ليس في مصر والوطن العربى فقط، بل في العالم بأسره، ولكنهم كانوا على ثقة تامة برحيل «عبدالناصر» عن الحكم.
وفي أجواء الاحتفال الوقح لأعدائنا بـ«النصر»، خرج «عبدالناصر» يعلن تنحيه عن الحكم، عسى يتوقف الأعداء عن حربهم الضارية بعد أن يعلن تنحيه عن الحكم.. وما إن أنهى «ناصر» خطاب التنحى إلا وامتلأت الشوارع بالملايين الذين، كنت وزوجى الراحل منهم.
وأعترف بأننى في هذا المساء، نسيت للحظات ابنى الوحيد «نبيل»، وعندما جذبني «علي» من ثوبي، وكنت حاملاً في طفل ثان بعد «نبيل»، وأنا أهرع نحو الشارع، قلت له بحزم: الشارع.. ما يمشيش! كنا في بيت شقيقة زوجى فاتن الشوباشى وزوجة الأديب والشاعر عبدالرحمن الخميسى، وكان البيت على بعد أمتار قليلة من شارع طلعت حرب، وما إن وصلنا إليه إلا وذبنا بين الحشود الهائلة التي هرعت إلى الشارع تعلن رفضها القاطع للتنحى وتصرخ، مكتوب على قلوبنا عبدالناصر محبوبنا، مكتوب على سلاحنا عبدالناصر كفاحنا، ارفض ارفض يا زكريا (زكريا محيى الدين الذى أشار «ناصر» إلى توليه الحكم) عبدالناصر مية المية، ولأنور السادات رئيس مجلس النواب، أنور أنور يا سادات إحنا اخترنا جمال بالذات، غير أن من أروع الشعارات الشعبية في ذلك المساء المحفور في الوجدان، إحنا الشعب أصحاب الحق، لأول مرة نقول لك لأ.
في التاسع من يونيو هزمنا الهزيمة وأصبنا العدو بجنون حقيقى وحيرة أمام شعب ليس له كتالوج، لقد بدأت حرب الاستنزاف المجيدة مساء التاسع من يونيو واستبدل الأعداء كئوس الشمبانيا احتفالاً بإقصاء «ناصر» عن الحكم، إلى لطم الخدود أمام موقف لم يحدث في التاريخ.
إن من يتباكون على هزيمة يونيو، تجاهلوا تماماً ما توقف أمامه العالم بأسره، وما صفع الأعداء صفعات مدوية، من شعب خرج يعلن تحديه للأعداء بالملايين في ظرف دقائق، جعلت الزعيم الخالد يعود إلى موقعه والأعداء ينصبون سرادقات العزاء في مواقعهم التي ظنوها دائمة.. إن جيلى الذى عاش هذا اليوم يشعر بالفخر بأنه هزم الهزيمة وأغرق الأعداء في حيرة أمام شعب بالتأكيد، لا مثيل له.