هنا مدارس النازحين فى عدن جوع وتسول وموت يسكن الخيام

كتب: أسامة خالد

هنا مدارس النازحين فى عدن جوع وتسول وموت يسكن الخيام

هنا مدارس النازحين فى عدن جوع وتسول وموت يسكن الخيام

«منذ يومين كاملين لم نشعل النار، ولم نأكل طعاماً ساخناً، لكن الحمد لله، تصدق علينا الجيران بأرز، اليوم».. خرجت الكلمات الحزينة من ندى محمد، ذات الـ40 عاماً، بينما كانت تجلس أمام «كانون» مشتعل بالحطب، لتطبخ الأرز لأسرتها المكونة من 7 أفراد، وهى واحدة من 100 أسرة، دفعتها الحرب اليمنية إلى النزوح عن منازلها، لتقيم فى فناء مدرسة 30 نوفمبر، فى الحى الهاشمى بمديرية الشيخ عثمان التابعة لمدينة عدن.

بدأت «ندى» حديثها لـ«الوطن» قائلة «أنا هنا منذ 5 أشهر، كنت أسكن قبلها مع أسرتى فى حى البساتين على أطراف عدن، لكن تهدم بيتى بالكامل، وترك زوجى المحل الذى يعمل فيه، بعدما تم إغلاقه، وعندها لم يعد لنا بيت ولا مصدر دخل، ولم نجد أمامنا سوى اللجوء إلى هذه المدرسة، التى نعيش فيها ظروفاً قاسية للغاية، لكن ليس لنا مكان آخر»، وما أن انتهت من حديثها، حتى تركتنى مسرعة لتكمل طهو الأرز، الذى ينتظره أطفالها على أحر من الجمر.

{long_qoute_1}

فى فناء المدرسة، يوجد أكثر من كانون للطهو، «فكل أسرة تطهو على الكانون الخاص بها، إذا حصلت على طعام»، قالتها الشابة الثلاثينية مريم أحمد، النازحة من حى «الفارع»، الواقع على أطراف عدن، ثم أضافت بخجل «معظمنا هنا معدم، ويعيش دون أى مصدر دخل، فرجالنا لا يجدون عملاً، بعدما أوقفت الحرب كل شىء، وتركتهم دون عمل، وأصبح التسول هو المصدر الوحيد بالنسبة لنا حتى نحصل على الطعام»، وعندها صمتت بعدما احمرت وجنتاها، مع سقوط دموعها، ثم أكملت «كنا نعيش حياة كريمة فى بيوتنا، ولم نكن أغنياء، فدورنا كانت مغلقة علينا، أما الآن فلا يعلم حالنا سوى الله، حيث أصبحنا نقتات بما يرميه لنا الآخرون»، وصمتت لتمسح دموعها، وقالت بعدها «تلك الحرب شردتنا، ولم نجد من يعيننا».

أما المسئول الإدارى عن النازحين فى المدرسة، الشيخ عبدالله على سعد، فقال «الحكومة لم تقدم لنا أى شىء، فأثناء الحرب كانت المقاومة تقدم لنا وجبات ساخنة يومياً، ووقتها كانت الأعداد كبيرة جداً هنا، رغم أن المدرسة ليست كبيرة بما يكفى لاستيعاب جميع النازحين الذين أتوا من مختلف محافظات الجنوب، فأنا مثلاً جئت من محافظة لحج إلى هنا، بعدما دمرت قذائف الحوثيين بيتى، ومع مرور الوقت قلت المساعدات التى نتلقاها، حتى انعدمت تماماً».

{long_qoute_2}

وأضاف «بعد انتهاء الحرب، تمكن كثير من الأسر التى لم تتضرر منازلها من العودة، أو أقاموا لدى الجيران أو الأقارب، وتبقت هنا 20 أسرة فقط لا مكان أو ملجأ آخر لها، ومع بدء العام الدراسى الجديد ظهرت مشكلة كبرى أمامنا، عندما طالبنا مسئولو التعليم بمغادرة المدرسة، فطلبت منهم أن يوفروا لنا مساكن بديلة، إلا أنهم لم يردوا، وتوجهنا إلى المحافظ، إلا أنه لم يفعل لنا شيئاً، وبالتالى لن نخرج من المدرسة».

{long_qoute_3}

وبلهجة غاضبة، قال سمير سيف صالح، الذى فر مع أسرته من محافظة أبين منذ 4 سنوات، بسبب الحرب بين تنظيم القاعدة والجيش اليمنى، التى خلفت دماراً هائلاً هناك، قال «لن نخرج من هنا، فأين نذهب؟، ولو استدعى الأمر سنقاتل حتى لا نخرج من المدرسة، ويكفى ما حدث لنا»، ثم أضاف بعدما هدأ قليلاً «هربت من القاعدة منذ سنوات، وكنت أعيش فى مدرسة مهجورة قرب حى الشيخ عثمان، لكنها تعرضت للقصف أثناء الحرب، ولم يعد لى أو لأسرتى أى مكان آخر نقيم فيه، لذلك لن نخرج من هنا، حتى توفر لنا الحكومة مكاناً بديلاً».

وبينما يصر «سمير»، الهارب من قتال القاعدة، على عدم ترك المدرسة، باعتبارها الملجأ الأخير له، يبحث فيصل حسن على، ابن محافظة لحج على مكان ينصب فيه خيمة لأسرته المكونة من 9 أفراد داخل المدرسة، وقال «أعرف أنهم سيخرجوننا، لكن ليس لى مكان فى لحج، بعدما تم قصف منزلى، وأنا أقيم هنا منذ 3 أشهر، كنت أعمل قبلها ميكانيكى سيارات، وعندما نشبت الحرب أغلقت الورشة، مع مغادرة صاحبها للجنوب، متوجهاً إلى الشمال، والآن لم يعد لنا مكان سوى خيمة فى الشارع، مثلما نرى فى الصومال».

وفى ساحة على أطراف حى الشيخ عثمان الشعبى، كان شباب الحى يستخدمونها فى جلسات القات المسائية، أقام عدد من الصوماليين الفارين من الحروب فى بلادهم، فبدوا كأنهم أقرب للمستجير من الرمضاء بالنار، فالخيام عبارة عن أقمشة بالية، اضطروا للإقامة فيها بعدما تهدمت عشش الصفيح والأخشاب التى كانوا يقيمون فيها بحى البساتين.

متكئة على أحد جذوع الأشجار، سارت السيدة العجوز مريم حسن ناجى ببطء شديد، بينما ترسم التجاعيد على وجهها تفاصيل ما مرت به من أهوال، «كل ما أريده هو العلاج يا ولدى، فأنا لم أعد أرى»، وتوقفت بعدها عن الحديث، دون أن تذكر أنها لم تعد تسمع أيضاً، فيما أكمل حفيدها «حسن»: «كانت أصوات القذائف مدوية، وتأثر سمعها بقوة منذ وقت الحرب، فأصبحت تسمع بصعوبة».

وعادت «مريم» إلى الحديث قائلة «كنت أعيش مع بنتى وحفيدى فى بيت صغير بدار سعد -هى واحدة من أكثر المديريات تضرراً جراء قصف الحوثيين لعدن- وعندما تهدم بيتنا لم نجد غير هذه المدرسة لتؤوينا»، ثم أضافت باكية «أحياناً نبقى ليومين دون طعام، وتذهب ابنتى إلى السوق لتتسول، بينما يفرز حفيدى المخلفات والقمامة عله يجد أى شىء يصلح للبيع»، وصمتت قليلاً لتريح أنفاسها المتصاعدة، «أريد أن أعالج يا ولدى، ذهبت إلى المستشفى فوصفوا لى علاجاً، لم يكن لدى ثمنه، فلم أشتره، والحكومة لم تساعدنا عندما ذهبت ابنتى لتطلب المساعدة، فلم نحصل على شىء».

وفى فصل دراسى بالدور الأول من المدرسة، كان «عمر»، الذى لم يتجاوز عمره الثلاث سنوات، رغم أن ملامح الوجه منزوعة البراءة تشير إلى عمر أكبر، راقداً على مرتبة إسفنجية بالية، وقال «حسان»، أحد المقيمين فى المدرسة، «الجميع هنا يعتبر عمر ابناً له»، فيما قالت والدة الطفل، نادية، إنه «مصاب بشحنات كهربائية زائدة فى المخ، ونخاف عليه من الموت»، وصمتت بنظرات منكسرة إلى الأرض، هى نظرات أم راح زوجها فى حادث، ولم تعد تملك من حطام الدنيا أى شىء لعلاج الطفل الصغير، لكنها أضافت «يصاب عمر بنوبات تشنج وصراخ، دون أن نتمكن من مساعدته، وعندما ذهبنا به إلى المستشفى، وصفوا لنا أدوية لا نملك ثمنها».

ومسحت «نادية» دموعاً غزيرة انهمرت من عينيها، ثم قالت «ناس كثيرة ماتت هنا بسبب نقص الدواء، فكريم هو شاب عمره 18 عاماً، كان يلهو بيننا، لكنه مات لأننا لم نجد له دواء، وأخاف أن يكون لطفلى نفس المصير»، وعندها حشرت الكلمات فى حلقها، ودخلت فى نوبة بكاء حادة، فتجمعت سيدات المدرسة حولها لمواساتها.

وما أن هممت بمغادرة المدرسة، حتى جاءت «مريم» العجوز زاحفة إلىّ، وقالت «يا ولدى هل ستعطينى أى أموال؟، لم آكل منذ الصباح، ولا أحد يسأل عنا، وأنت أول غريب يدخل علينا منذ شهر».

 

 


مواضيع متعلقة