«عبدالقادر» و«الكلمات المتقاطعة».. عِشرة 40 سنة و«رفيقة مترو»
«عبدالقادر» و«الكلمات المتقاطعة».. عِشرة 40 سنة و«رفيقة مترو»
وسط الأصوات المتداخلة وطلب الواقفين إفساح الطريق لوضع قدم في زحام العربة وشرود الجالسين في الوجوه العابسة والبنايات التي يمرق القطار من أمامها، انهمك عبدالقادر أحمد في حل لعبة اليوم من «الكلمات المتقاطعة» في جريدته اليومية.
لعبة «الكلمات المتقاطعة» يحتاج ممارسها إلى ملء المربعات البيضاء وتشكيل الكلمات أو العبارات عن طريق حل القرائن التي تؤدي إلى إجابات، وتستخدم المربعات السوداء في فصل الكلمات أو العبارات، ويوضع لكل صف أو عمود رقم، ثم يُكتب أمام الرقم ما يشابه الكلمة المطلوب كتابتها في المربعات.
في بداية كل صباح يستطلع «عبدالقادر» (72 عامًا) عناوين الأخبار وإذا ما جذبه أحدها أو كان مثار اهتمامه أخذ في قراءة تفاصيله، وبين خبر وآخر، يبدأ في ممارسة لعبته الصباحية المفضلّة في حل «الكلمات المتقاطعة».
يستقل «عبدالقادر» القطار من محطة «حدائق المعادي» القريبة من منزله، ويبدأ في حل اللعبة حال وجد مكانًا شاغرًا بين الجلوس. «لم يعد الناس كما كانوا. قديمًا كان الشباب يحترمون الأكبر منهم سنًا وكانوا يقفون لي عندما يروني وأنا رجل عجوز كما ترى، أما الآن فكثير منهم يتغافل تمامًا عنّي» يقول «عبدالقادر» ونظره إلى الزاوية اليسرى في الجريدة حيث اللعبة.
«عبدالقادر» يعمل محاسبًا وأحيل إلى المعاش منذ وقت طويل إلا أنّه مازال حريصًا على العمل في هذه السن الكبيرة: «لا أستطيع الجلوس في المنزل، ولم أعتد على ذلك، أخرج كل صباح لطلب الزرق. سأعمل حتى ألقى ربي».
وعن اللعبة التي يمارسها منذ أكثر من 40 عامًا يقول «عبدالقادر» والابتسامة تعلو وجهه: «أمارسها للتسليّة في المقام الأول، كما أنّها تزيدني علمًا، هناك الكثير من المعلومات اكتسبتها من خلال تلك اللعبة، كما أنّ الحال لم يعد كما كان، وأتجنب الدخول مع رفاق العربة في أي نقاش تحاشيًا لاحتدامه. لم يعد الناس كما كانوا قبل الثورة».
ومن أجل تجنب الحديث أو طلب العون من الركاب يدس المحاسب العجوز «أستيكة» و«برّاية» في حقيبته، لمساعدته في «تقفيل» اللعبة دون عائق، ويوضح أنّه يسأل أصدقاء العمل أو رفاق المترو إذا ما وقفت أمامه كلمة لا يعرفها، إلا أنّه يُرجئ تلك المساعدة إلى ما بعد حل جميع الكلمات «لعل حل كل الكلمات يأتيني بالكلمة التي تعثرت في حلها» يقول «عبدالقادر».
الطريق من «حدائق المعادي» إلى «أنور السادات» لا يكفي «عبدالقادر» لإتمام حل اللعبة، وهنا يدس جريدته في حقيبته على موعد استكمالها قبل نهاية اليوم «لا أمل منها، منذ وقت طويل وأنا ألعبها. لا يفوتني يوم إلا وأحرص على حل كلماتي المتقاطعة».
