دولة القانون أو قانون اللادولة

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

غرقت مصر فى بحر من الألفاظ والعبارات منذ اندلاع الشرارة الأولى لثورة يناير. بل يمكن القول إن الثورة وعبارات بعينها وجهان لعملة واحدة، حيث «عيش حرية عدالة اجتماعية» عنواناً وغاية، و«الشعب يريد إسقاط النظام» وسيلة، و«سلمية سلمية» أداة ترغيبة، و«ارحل» تهديداً ووعيداً، لكن عبارة واحدة لم يهتف بها الثوار أو يكتبها فنانو الثور على الجدران، أو يفكر فيها الشعب الخارج لتوه من غيبوبة طويلة وسبات عميق. «دولة القانون» طالما رددها كثيرون فى مؤتمرات خمس نجوم، وكتبها كثيرون فى أعمدة ومقالات، وتناقلتها أجيال شأنها شأن «30 سنة إنجازات» و«أول ضربة جوية» و«دولة العلم والإيمان» و«بطل الحرب والسلام» وغيرها، لكنها بقيت كذلك. وبقاؤها كذلك سيقضى على الأخضر واليابس، فقد بات من الواضح تماماً أن مصر لن تنهض إلا بنهوض واستيقاظ واستفاقة وتدعيم وتعضيد وتقوية ومؤازرة ودفع وتجذير وترسيخ وتفعيل وتطبيق «دولة القانون». لكن هذه المرة، التطبيق لن يقتصر على الأوراق والصحف والتشدقات وموضوعات الإنشاء. تطبيق «دولة القانون» فى كل ركن وجانب وشارع وحارة وزقاق وميدان فى مصر مطلوب الآن. سياسة تقبيل الرؤوس، وتأبط الأذرع، ودغدغة المشاعر، وحلحلة الضغائن، وهزهزة الفتن، وتأجيل الاحتقانات، وتسكين الأورام، وتهدئة الانتفاخات ما ظهر منها وما بطن لم تعد قنابل موقوتة، بل تحولت ألغاماً جارٍ تفجيرها بينما تقرأ هذه الكلمات. الشارع المصرى بات أقرب ما يكون إلى الحزام الناسف الذى يطوق الجميع. الجميع يحمل كميات متفاوتة من مصادر الغضب والقلق والخوف، وكل يعبر عن حمولته الثقيلة بطرق وأدوات مختلفة، تختلف بحسب الثقافة والتعليم والقيم والتربية. وجانب غير قليل من هذا الغضب والقلق والخوف نابع من سبات دولة القانون التى تعطى أحياناً مؤشرات بأنها على قيد الحياة، ثم تغفو، ثم ترسل رسائل بأنها قد تفتح عينيها ثم تدخل فى نوم عميق، وتعاود فتح عين مع الإبقاء على الأخرى مغلقة وكأنها تمعن فى إبقاء المصريين؛ رِجل فى دولة القانون، والأخرى فى دولة البلطجة والبقاء للأقوى. من قنبلة أمناء الشرطة التى ظلت موقوتة على مدى عقود، إلى كارثة التعليم الطبى الذى يخرج أعداداً وليس كوادر، ومنه إلى التنشئة الدينية التى حجبت ونقبت وأطالت لحى وغرست ميلاً فطرياً لتكفير الآخرين، ومنها إلى إنكار شبه تام لمكونات التحضر والتقدم من عمل وضمير وعلم وذوق وأخلاق طالما تبدو عليك علامات التقدم، ومنها إلى شيزوفرانيا المصرى المتدين بالفطرة والفاسد أيضاً بالفطرة، تحولنا إلى دولة يبدو أن القانون يحكمها، لكنه لا يفعل. وحسناً فعل قطاع من المصريين بات على قناعة بأنه على الرغم مما نحن فيه من وضع اقتصادى عويص، وحال برلمانى مقيت، وتدنٍ أخلاقى رهيب، وتحفز إرهابى أكيد، إلى آخر القائمة التى بات كل مصرى على وعى بها، إلا أن المخرج الأهم يكمن فى دولة القانون. توغل رجل شرطة، أو توحش تاجر فاكهة، أو تهرب موظف حكومى، أو فساد رجل أعمال، أو جنون إعلامى شهير، أو شطط برلمانى عجيب، أو إهمال طبى بغيض، أو بلطجة سائق تاكسى، وغيرها، أمور لا تواجهها إلا دولة القانون. وكذلك الحال فيما يختص بفوضى المرور (الناجم جانب منها عن عدم وجود رجال المرور من الأصل، ناهيك عن عدم قناعتهم شخصياً بموبقات المرور)، وعبث التعليم (الناجم بعضه من اقتصار فكر الوزير -أى وزير- عن تطوير التعليم على بناء مدارس وطلاء واجهات وحشو مناهج)، واختلال التدين (الناجم من جمود وتحجر المؤسسات الرسمية من جهة، وتوغل وتوحش المشايخ المتجولين -مثلهم مثل الباعة المتجولين- الذين اتخذوا من التكفير حرفة، من جهة أخرى)، وتحول الشوارع إلى مكبات للقمامة (من قبل الأشخاص ومعهم مسئولو جمعها) وغيرها أوضاع لن تعالجها إلا دولة القانون. دولة القانون لا تفرق بين أمين شرطة تحجج بضيق ذات اليد ليتحول إلى بلطجى، وآخر احترف البلطجة، ولا تفرق بين حرامى كبير وحرامى صغير، أو بين وزير فاسد وغفير فاسد، أو بين «ماتعرفش أنا مين؟!» كسر إشارة مرور، وآخر لا يعى أصلاً أن هناك شيئاً اسمه إشارة مرور. دولة القانون تعمل 24/7، أو بمعنى آخر تعمل عل مدار الساعة سبعة أيام فى الأسبوع. دولة القانون لا تذهب للمصيف تاركة مكانها، ولا تستسلم للقيلولة مفسحة المجال لغيرها، ولا تغض الطرف عن فلان بك أو علان باشا أملاً فى أن يردا الجميل بأتخن منه، ولا تشد حيلها حين يكشر الوزير عن أنيابه أو يهدد الرئيس باستخدام سلطاته ثم تهرع إلى غيبوبتها الاختيارية. داهمنا الوقت وصدمنا المقت وباهتنا الهرج وكادت الفوضى غير الخلاقة تقضى علينا. وبدلاً من إهدار المزيد من الوقت وتضييع المزيد من الجهد فى البحث عمن يحمل الوزر ويتحمل اللوم وتُصَوب عليه أحجار الخطيئة حيث بحث فيسبوك لا يكل عمن كان السبب؛ ناصر أم السادات أم مبارك أم مرسى أم الكل؟، وتنقيب نخبوى عمن يتحمل وزر تأخير نهضتنا وتعطيل صحوتنا هل هو الإعلام أم البرلمان أم الساسة أم رجال الأعمال؟ وهرى شعبى حول أيهما أكثر فتكاً بنا فيروس «سى» أم إهمال الأطباء أم بلطجة الأمناء أم فساد المعلم أم جشع التاجر أم موت ضمير المواطن؟ يمكن -بل يستحسن وعلى وجه الدقة يجدر- أن تكون نقطة البداية هى إقامة دولة القانون، وإلا قضينا فى قانون اللادولة. شعارنا الحتمى بات «عيش حرية دولة قانون»!