إدارة شئون البلاد

عماد جاد

عماد جاد

كاتب صحفي

تكشف طريقة إدارة المفاوضات مع المملكة العربية السعودية حول مآل جزيرتَى تيران وصنافير عن أزمة حقيقية فى إدارة شئون البلاد، تتمثل فى العمل من خلال مجموعة محدودة للغاية وتجاهل قطاعات الأكاديميين والمتخصصين الذين تموج بهم الجامعات والجمعيات المصرية وأيضاً سقوط الرأى العام من الحسابات السياسية لصنّاع القرار فى البلاد. نعلم أن قضية جزيرتَى تيران وصنافير محل تفاوض مصرى سعودى منذ شهور، وأن هناك متابعة خليجية لهذه المفاوضات، وأن دول الخليج الرئيسية داعمة للرؤية السعودية، ونعلم أيضاً أن تياراً قوياً فى المملكة، ولحسابات داخلية، بات يعتبر «استعادة» الجزيرتين مسألة حاسمة فى حساباته السياسية الداخلية، وفى ذات الوقت هناك تيار قوى فى النخبة المصرية وداخل مؤسسات وأجهزة الدولة السيادية ينظر إلى ضم الجزيرتين للمملكة العربية السعودية باعتباره تحريراً لهما من قيود الملحق الأمنى فى معاهدة السلام مع إسرائيل والتى تضعهما ضمن المنطقة (ج) بكل ما يترتب على ذلك من عدم جواز وجود قوات عسكرية أو ترتيبات إنشائية على الجزيرتين، ومن ثم هناك من نظر إلى نقل السيادة عليهما اليوم إلى الرياض باعتباره مقدمة لإخراجهما من قيود الملحق الأمنى فى معاهدة السلام مع إسرائيل. نعلم كل ذلك، وهى أمور لا تخلو من إيجابيات، لا سيما فى إطار ما جرى توقيعه من اتفاقات بين القاهرة والرياض، إضافة إلى مشرع الجسر البرى الذى يربط غرب المملكة بشرق مصر وما سوف يترتب عليه من نتائج إيجابية للبلدين. المشكلة تكمن فى طريقة التفكير الإقصائى المتبعة حالياً والتى تمثلت فى إدارة المفاوضات مع الجانب السعودى بشكل سرى وداخل مجموعة مغلقة من التنفيذيين دون الاستعانة بقامات مصرية كبيرة فى مجالات التخصص، والأكثر أهمية دون الاكتراث بوضع الرأى العام المصرى فى صورة ما يجرى من تفاوض، سقط الرأى العام المصرى من الحسابات تماماً، وهو خطأ قاتل فى هذا التوقيت الذى بات فيه الرأى العام المصرى أكثر وعياً وحرصاً على حقوقه فى المتابعة والمعرفة بل والفهم قبل كل شىء.. ما حدث هو أن هذه الطريقة فى إدارة شئون البلاد صدمت النخبة والرأى العام، لا سيما مع غياب الرؤية وبُعد النظر والإدارة السياسية لشئون البلاد على النحو الذى جعل صانع القرار يوقّع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع المملكة إبان زيارة الملك للقاهرة ووسط أجواء احتفالية بدعم مالى سعودى ضخم ومشروعات استثمارية مشتركة تصل قيمتها إلى 25 مليار دولار، على نحو بدا وكأن تيران وصنافير ذهبتا كثمن لهذا الدعم السعودى والتلويح بآخر إماراتى كويتى فى الطريق فى ظل وجود ممثلين للدولتين إبان توقيع الاتفاقيات المصرية السعودية فى قصر عابدين. سببت هذه الطريقة فى الإدارة صدمة للرأى العام المصرى بما فى ذلك مؤيدو النظام وداعموه، فقد أظلتهم الحيرة فى استيعاب ما وقع وطريقة الإدارة واختيار وسائل صد الهجوم على شخص الرئيس وأركان النظام، لا سيما أن عقلية وأدوات الحشد والتقرير لم تتغير كثيراً ما بين وزير أوقاف يقول إن الجسر أمر إلهى وأبواق إعلامية زاعقة زائفة ووجوه مستهلكة فاقدة لكل مصداقية، لكل ذلك أقول إن مشكلة مصر اليوم هى مشكلة إدارة ولا بد من تغيير طريقة إدارة شئون البلاد سريعاً، ومن قبلها تغيير طريقة التفكير واستيعاب ما وقع من تغيير حقيقى فى مصر على مدار السنوات الخمس الماضية.