متى تعود المبادرة المصرية لحل المشكلة الليبية؟!
حكومة «الغويل» بطرابلس أغلقت المجال الجوى لمنع حكومة السراج من دخول العاصمة، هددت باعتقالهم، واللجوء للقضاء، فقدمت من تونس بعد ثلاثة شهور ونصف من تفويضها، بقطعة بحرية رست بالميناء، واتخذت قاعدة بوستة البحرية مقراً، كوبلر استقر بالعاصمة بصحبة مجموعة اتصال وإدارة أزمة، مهمتها الإمساك بالسلطة دون صدام، وبالفعل سيطرت على المصرف المركزى، ومؤسستى النفط والاستثمار، ومقر التليفزيون، جمدت ميزانيات الوزارات، ما أعجزها عن العمل، فسلمت مقراتها وانتقلت حكومة الوفاق للمقر الرسمى، تتابعت مظاهر التأييد، حرس المنشآت النفطية، بلديات المدن الساحلية من طرابلس للحدود التونسية، الجنوب بمكوناته المدنية والمسلحة، كبرى كتائب مصراتة وغرب العاصمة، بما فيها «النواصى، والردع» التابعتان للداخلية، والجماهير هتفت بساحة الشهداء، مجلس الأمن أبدى استعداداً لرفع الحظر عن صندوق الثروة السيادية «قرابة 100 مليار دولار» بمجرد استقرارها، لتمكينها من النجاح، والمجلس الأعلى للدولة، ثانى مؤسسات الصخيرات، انتخب السويحلى رئيساً، ليطلق رصاصة الرحمة على «المؤتمر»، ويقتصر التنافس على حكومتين؛ وفاق طرابلس، والثنى بطبرق.
البرلمان يخشى منح الثقة للوفاق، فتطيح بحفتر، الذى يؤمن شرعيته، غاب النواب عن جلسات التصويت تجنباً للضغوط، فسقط النصاب، لكن كوبلر تمكن من الحصول على توقيع مائة نائب على وثيقة تأييد «بالتمرير»، المعارضون السبعون، بعضهم اقترح إنشاء مجلس عسكرى للحكم كبديل للوصاية الدولية، والآخر طلب زيادة مكافأة المجلس لحمايتهم من الإغراءات!! البرلمان شكل لجنة لتضمين الاتفاق بالإعلان الدستورى، ويعتزم الشكوى للجامعة العربية والاتحاد الأفريقى من مخالفات كوبلر والمجلس الرئاسى حث حفتر على التحرك لتحرير سرت دعماً لموقفهم السياسى والعسكرى والشعبى، لكن إيطاليا هددت بالإدانة، والسراج حذَّر من بدئها خارج قيادته، باعتباره «القائد الأعلى»!! حكومة الثنى شرعت فى تصدير النفط لتوفر التمويل، لكن مالطة منعت أولى ناقلاتها من دخول الموانئ، وواشنطن تدرس اتخاذ إجراءات تعرضية على نحو ما تم 2014 لمنع البيع فى البحر.
الغرب يرى حفتر جزءاً من المشكلة، ولا يريده جزءاً من الحل، وذلك منذ فشل الرهان الأمريكى عليه بعد عودته لليبيا 2011، حاملاً جنسيتها، وإقامة تتجاوز عشرين عاماً بفرجينيا، خلف مقر CIA، لكنه لم يؤمِّن المثلث النفطى، لحماية الإنتاج والتكرير والتصدير، ولم يوقف تسلل المهاجرين لأوروبا، وحارب الإخوان، ما دفعها لترشيح «المهدى البرغثى» وزيراً للدفاع لقيامه بفرض حظر التجول، أثناء تسلل قوات المارينز لبنغازى يونيو 2014، لاعتقال «محمد أبوختالة» المتهم بالمشاركة فى اغتيال السفير الأمريكى، الإسلاميون وأعداء حفتر يرون إمكانية التعايش معه، لانضمامه للكتائب المسلحة بداية الثورة، وعدم ارتباطه بقوى إقليمية، الغرب يدرك أن استبعاد حفتر المفاجئ قد يفجر الصراع بين تشكيلات الجيش، لذلك يتجه لـ«خنقه»، انشقاق مجموعة حجازى المتحدث الرسمى للجيش لن يكون الأخير، وتحريض القبائل عليه مستمر، البراعصة بعد إبعاده «فرج البرعصى»، العواقير قبيلة وزير الدفاع الجديد، والعبيدات لاستهداف العديد من أبنائها.
الغرب متفق على دعم حكومة الوفاق، رغم تنافسات المصالح، أوروبا تتعجل الاستقرار بسبب مخاوفها الأمنية، واستناداً لبيئة مؤيدة، ومصالح مشتركة مع ليبيا، أمريكا تميل لإطالة المشكلة، فتعرضها للضرر أقل، ولا تزال تبنى مرتكزات نفوذها، ما يفسر عدم تحمس بريطانيا لاتخاذ قرار دولى بالتدخل العسكرى، ومباركتها لمشاورات البرلمان والمؤتمر الفاشلة، بتونس ومالطا وسلطنة عُمان، لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بعيداً عن كوبلر، الأقرب لأمريكا من ليون، أمريكا دعمت فى المقابل مؤتمر روما، لتواجه محاولات الانفراد الأوروبى بمشاركة دولية، وتكرر غاراتها بحجة استهداف داعش، وزراء خارجية إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا زاروا طرابلس فور وصول حكومة الوفاق، وزراء خارجية ودفاع الاتحاد الأوروبى ناقشوا خطة العمل بليبيا، وآليات انتقال القوة البحرية «صوفيا»، من المياه الدولية، للمياه الإقليمية الليبية، لمكافحة الهجرة، وتشكيل قوة أمنية مشتركة، لحماية الأهداف الحيوية الليبية، وتدريب الشرطة وحرس الحدود وخفر السواحل، «الناتو» أبدى استعداداً للمساعدة فى بناء المؤسسات الدفاعية والأمنية، والمشاركة بقواته فى دعم الاستقرار، وقمة هانوفر بين أمريكا، وبريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا أعلنت دعمها لليبيا.. خطة القيادة العسكرية الأمريكية بأفريقيا للخمس سنوات المقبلة تتضمن التدخل بليبيا لمحاربة الإرهاب، وتم بالفعل دفع قوات خاصة، إيطالية وبريطانية وأمريكية وفرنسية، لمصراتة لمتابعة الأوضاع عن قرب، إضافة للطلعات الاستكشافية، «الأبزرفر» نشرت خطة طوارئ بريطانية لتأمين المثلث النفطى، والمشاركة فى القضاء على الجماعات المسلحة والمهربين.
ليبيا بصدد نظام جديد للحكم، أشبه بالوصاية، فرضه توافق المصالح الغربية، وانشغال روسيا والصين، دول الإقليم تسعى للتكيف ضماناً لمصالحها، المغرب استضاف مفاوضات الصخيرات.. الجزائر شاركت فيها، وتحتفظ بعلاقات متوازنة بكافة القوى الليبية، حتى المتطرفة، أقنعت عبدالحكيم بلحاج بدعم الوفاق، وجمعته بالسراج برعاية المخابرات الجزائرية.. تونس جمعت عقيلة صالح وأبوسهمين إبان مفاوضاتهما، واستضافت الحكومة قرابة أربعة شهور.. تقرير الأمم المتحدة مارس 2016 أكد أن السودان ما زال ينتهك الحظر، وينقل العتاد والمتطوعين براً من دارفور وحركة العدل والمساواة وجيش تحرير السودان، للمتطرفين بطرابلس، ولداعش بسرت.. سلطنة عُمان دعمت مفاوضات عقيلة وأبوسهمين، واستضافت اللجنة التأسيسية للدستور حتى انتهت بالفعل من إعداد المسودة النهائية استعداداً لطرحها للاستفتاء.. حتى تركيا أوفدت أمر الله شلار كمبعوث رسمى لمصالحة حكومة الوفاق مع مفتى ليبيا السابق الصادق الغريانى وأبوسهمين.. الكل يرتب لمصالحه.
الصراع بين حكومة الوفاق، وحكومة الثنى، يضع مصر فى اختيار بالغ الصعوبة، الانحياز للأولى يُضَيِّع مصالحها بين التوازنات الدولية، وللثانية يثير سخط الغرب.. دعم هروب حفتر للأمام ربما كان مخرجاً، حَشَد أربعة لواءات لخوض «معركة سرت الكبرى»، عبرت المثلث النفطى، وتمركزت على بعد 200 كيلومتر جنوبها الشرقى، لحقت بها قوات الزنتان وجهزت مهبط طيران، إضافة لقاعدة راس لانوف.. داعش أعلنت النفير العام، سحبت ميليشياتها من درنة وبنغازى، لتتمركز بسرت، أقامت السواتر والخنادق، أغلقت الطرق المؤدية للمدينة، دفعت كمائن مقاتليها لزراعة الألغام، والتعرض للدوريات العسكرية للجيش، وعناصر المخابرات الغربية.. نجاح حفتر يدعم موقف الجيش والبرلمان فى التوازن السياسى الراهن.. القيادات السياسية الليبية بالخارج يمكن أن تعزز هذا الاتجاه، بامتداداتها بالداخل، والظروف مهيأة لدعوة جديدة للقبائل لإجراء مصالحات تاريخية (خاصة بين مصراتة والمجارحة، القذاذفة، ورفلة، ورشفانة..) لسد الذرائع أمام انتشار داعش، ووضع أسس عملية للتوافق الوطنى، تستند لمشروع الدستور، والتعجيل بطرحه للاستفتاء، كبديل لصيغة سعت للجمع بين المتناقضات، على نحو غيَّبَ التوافق السياسى، المبادرة المصرية بالغة الأهمية خلال المرحلة الراهنة، فلنعجل بها.
الظروف مهيأة لدعوة جديدة للقبائل لإجراء مصالحات تاريخية (خاصة بين مصراتة والمجارحة القذاذفة ورفلة ورشفانة..) لسد الذرائع أمام انتشار داعش ووضع أسس عملية للتوافق الوطنى تستند لمشروع الدستور والتعجيل بطرحه للاستفتاء كبديل لصيغة سعت للجمع بين المتناقضات على نحو غيَّبَ التوافق السياسى المبادرة المصرية بالغة الأهمية خلال المرحلة الراهنة فلنعجل بها