استعباد الوطن

هل تستعبد الأوطان.. كيف ومتى ولماذا؟

إن وجدنا الإجابة على أدوات الاستفهام الثلاثة أو الجدلية الأهم لكان إنقاذ الوطن -أى وطن- أمراً محتوماً. وقد أشار الكاتب فى المقال السابق (دائرة الطباشير المصرية) إلى تجربة لينكولن فى خلق تنظيم لإنقاذ أمريكا من العبودية بمعناها الواسع وليس فقط تحرير من تم استعبادهم من الأفارقة على يد العرق الأبيض ومن ثم إنهاء الحرب الأهلية بانتصار الولايات الشمالية على التحالف الجنوبى المؤلف من ٥ ولايات بقيادة «جيفرسون ديفيس».

فالقضية لم تكن لتختزل فى استعباد إنسان لأخيه الإنسان وحسب، وإنما هى قضية فترات الانحطاط التى تمر بها الأوطان والمجتمعات الإنسانية مما يؤدى إلى انهيار الأمم، ففى أى وطن مهما كان اسمه ومهما بلغ من حضارة ومهما كانت جذوره ضاربة فى عمق التاريخ، تجد له من عصور الانحطاط نصيباً وهو ما يجعل هذا الوطن أسيراً لفكرة واحدة ومستعبداً لصالح صياح واحد يعلو بمتطرف الكلم، فتحتفى الجماهير بأنصاف المواهب ويبجلون أرباع المتفلسفين ويمجدون أشباه البشر.. هذا ما يستطيع الكاتب أن يصفه باستعباد الأوطان.

ولعل هم ابن خلدون الأول كان منصباً على معوقات الاستخلاف أو الحرية المحققة لشروط العمران السوى فحصر هذه المعوقات فى استبداد الدولة وسيطرتها على الثروة والتراث؛ فالدولة المستبدة، عنده، تسيطر على الثروة فتتحكم فى الملكية وتسخر العمل.. ملغية كل دوافع الإنتاج وأحياناً الإبداع حين لا يجد المبدع حافزاً ومؤدية إلى المرض الاجتماعى الأساسى الذى نسميه الآن باسم سرطان الفساد فى علاقته بالثروة والذى سماه ابن خلدون «شرط الجاه فى الحصول على الثروة دون عمل أو فى حمايتها من استحواذ صاحب السلطان عليها».

وقد تسيطر الدولة على التراث كذلك بتوظيف ممثلى السلطة الرمزية مثل سلطة الفقهاء وأصحاب العمائم والمتصوفة عامة وسلطة المتكلمين والمتفلسفين خاصة فتحولهم إلى مجرد سلطة تبرير لسلوكها غير الشرعى أو اللاأخلاقى ويجتمع كلا الاستبدادين فى نظام التعليم المبنى على التسلط والقهر والذى خصص له الجزء الأهم من باب المقدمة الأخير ليبين أنه بالتسلط والقهر يفقد الإنسان معانى الإنسانية فقال قولته الشهيرة: «ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا عليه القهر وضيق على النفس فى انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحمله على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما فى ضميره خوفاً من انبساط الأيدى بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معانى الإنسانية التى له من حيث الاجتماع والتمدن وهى الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله وصار عيالاً على غيره فى ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس وعاد فى أسفل سافلين. وهكذا حدث لكل أمة وقعت فى قبضة القهر ونال منها العسف واعتبره فى كل من يملك أمره عليه ولا تكون الملكة الكافلة رفيقة به وتجد ذلك فيهم استقراء». (المقدمة- الباب السادس- الفصل الأربعون ص 42 و43- دار الكتاب اللبنانى بيروت الطبعة الثالثة 1967).

وفى السياق نفسه، ولا يرى فيها الكاتب أكثر من مصادفة تاريخية، فقد أرسل إبراهام لينكولن إلى تونس (محل ميلاد ابن خلدون) فى عام ١٨٦٤ وكانت قد مضت حوالى ١٨ سنة على صدور «قانون تحرير العبيد» فى تونس، وفى هذه الأثناء كانت الإدارة الأمريكية تحشد ما أمكن من الحجج والاستئناس بالتجارب الدولية الأخرى فى قضية تحرير «العبيد»، فأرسل قنصلها فى تونس «أموس برى» رسالة إلى الجنرال التونسى حسين، وكان حينذاك رئيساً للمجلس البلدى لمدينة تونس وأحد رموز المشروع الإصلاحى بقيادة الوزير خير الدين التونسى. طلب القنصل الأمريكى استفسارات عن منافع «قانون تحرير العبيد» فى تونس، ورداً على الطلب الأمريكى، حرر الجنرال حسين رسالة موجزة، شرح فيها كيفية إلغاء العبودية فى تونس ووصايا القرآن حول هذا الموضوع. فقام «برى» برفعها إلى وزير الخارجية الأمريكية وليام إيتش سيوارد، الذى أوصلها بدوره إلى الرئيس إبراهام لينكولن فأعجب بها إلى درجة أنه أمر بإعادة طبع نصها بأكمله ونشره على نطاق واسع، وبطبيعة الحال نوقشت رسالة الجنرال حسين على نطاق واسع فى الصحافة الأمريكية، وهى الآن موجودة فى كتيب صغير فى مكتبة جامعة هارفارد.

تُرى ما الذى كان يدور بذهن كل من ابن خلدون ثم الجنرال حسين وإبراهام لينكولن ومن بعدهم مارتن لوثر كينج؟

أو قد يكون السؤال: ما العلاقة بين الحرية وصعود الأمم؟ وهل العبودية والإذلال سبب فى انهيار الحضارات؟!

الآن وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على الثورة المصرية فى يناير ٢٠١١ ونحو ٣ سنوات على موجتها الكبرى فى يونيو ٢٠١٣ نجد أنفسنا جميعاً وقد اصطففنا فى معسكرين متقابلين لا يستطيع الكاتب أن يصف كليهما إلا بمحبى هذا الوطن ولكن كل بطريقته وحسب نطاق تفكيره، أما الكارثة المؤسفة فهى أن يُخوّن كل منهما الآخر ويناصبه العداء، يظن أن من يطلقون على أنفسهم «معسكر الدولة» أنهم الأقوى ويظن من يتحدثون بمعارضة طبقة الحكم أنهم الأبقى.

ويظن الكاتب أن الصراع بين كلا المعسكرين أخطر من الحروب الأهلية التى قد تحسم لصالح أصحاب الآلة الحربية الأكثر تقدماً، فالصراع الآن هو صراع على حرية رأى وتعبير يريد أن يحتكرها كل معسكر لنفسه ولأنصاره بل ويحتكر معها الحقيقة التى يظن أنها مطلقة!!

ليس بالكراهية والبغضاء تبنى الأمم بل تنهار بالقمع وإغفال قيم الحرية والعدل والمساواة، مهما تطاول البنيان فلن يرقى إلى علياء المحبة وسمو السعادة المشتركة فهما أساس العمل على تحرير الأوطان.