الأرض المحرمة

فاجأنا الرئيس بمبادرة لحقوق وحريات المرأة، وهو أمر محمود وإن كان لم يدعُ أياً من الخبراء فى مجال حقوق وحريات المرأة أو أياً من المبادرات الأهلية والشبابية التى انفجرت بعد الثورة نتيجة ما تعانى منه النساء من إقصاء وعنف غير مسبوق، لكن تظل خطوة تشجعنا على إهداء الرئيس قصة فاطمة، الشابة الريفية التى تخرجت من الجامعة، وكغيرها من ملايين الشابات لم تجد فرصة عمل فى زمن شحّ فيه التوظيف فى المدن وانعدم فى الريف، قبلت عملاً فى ورشة جلود لترد دين الأهل وتساهم فى تعليم باقى أخواتها، ثم قررت إنشاء ورشة جلود صغيرة وتحصلت على قرض من جمعية تنموية فتحت به باب رزق لها ولأخواتها، ومع نجاحها فى العمل والتسويق استطاعت أن تحول الورشة الصغيرة إلى مصنع فى القرية، عملت فيه أسرتها وجيرانها، وبقرض أكبر من الصندوق الاجتماعى وصلت العاملات المدربات إلى خمس وستين عاملة، وأكثر من مائة سيدة تعمل من منزلها بالقطعة، ساهمن جميعاً فى توفير حياة كريمة لأسرهن التى لم تعد بحاجة إلى التخلص من بناتهن الصغار لأسرة أخرى تطعمهن كخادمة وآلة جنس بعقد عبودية يسمى، زوراً، زواجاً، بل كثير من الأسر تشجعت لإكمال تعليم بناتهن بعدما تغيرت قيمته وأصبح وسيلة للترقى الاجتماعى بدلاً من كونه مجرد شهادة على الحائط لا تستحق كل المعاناة التى تعانيها الأسر بين أنياب فقر لا يرحم ودولة لا تعبأ. رد العمل والدخل القيمة لكثير من البنات والسيدات اللاتى تحولن إلى داعم للأسر وليس عبئاً عليها. لم يقدم مصنع فاطمة الصغير وجبة لأفواه جائعة، وإنما حياة كريمة يستحقها الناس، بل استطاعت أن تسجل أعمال الفلاحات فى شركة فى أمريكا لتقف على أول سلم المنافسة مع الماركات العالمية باسم «بنت الريف»، لكن ما لم تدركه فاطمة أن نجاحها أدخلها الأرض المحرمة، أرض تجارة الفقر والدين التى تركها نظام مبارك للجماعات المتأسلمة لإدراكه أنها وسيلته للبقاء وشرط استمراره، إنها الشبح الذى كان يخيف به الداخل والخارج بقوله: «إما أنا أو الإخوان والجماعات الإسلامية». فرغم الحديث الذى لا ينقطع عن أهمية تمكين المرأة ومحاربة الفقر وتضافر كافة الجهود الرسمية والأهلية سواء فى عهد مبارك أو عهد مرسى، فإن الفقر أكثر ربحاً من محاربته، لا سيما عندما تتضخم شبكة المانحين وقاعدة المحتاجين، وتنتقل الطوابير من كفالة اليتيم إلى صناديق الانتخاب، لذا شُنت حرب «مقدسة» ضد فاطمة التى حرمت الجمعية الشرعية فى قريتها من طوابير المحتاجين، وصلت الحرب لأن يستولى أعضاء الجمعية الشرعية على أرض خُصصت لفاطمة لعمل مصنع فى القرية بادعاء إقامة جامع، بل إن المحافظ الذى عيّنه مبارك والذى من المفترض أنه يضطهد الإسلاميين ويسومهم سوء العذاب، كما يزعمون، نصح فاطمة بترك القرية وترك أوهام التنمية وأن تدع الخلق ليس للخالق وإنما لمن يتاجرون بدين الخالق. بعد قيام الثورة توقعت فاطمة تبدل الحال ودعم جهودها، لكن الأرض المحرمة اتسعت، وتجارة الفقر والدين ازدهرت، وبيوت القرية «اتخربت» لتعود النساء إلى صفوف الكفالة الخيرية والانتخابية، وتظل تطالب فاطمة بأن تعيدها إما للجهل، وهو المستحيل، أو العمل وهو من المستحيل أيضاً فى ظل ديون المشروع المتراكمة، هل لمبادرة الرئيس إمكانية حل أزمة فاطمة وملايين غيرها، وتحرير الأرض المحرمة وعتق النساء والفقراء؟