سرير الشعب أو مريضة جديدة

نائل السودة

نائل السودة

كاتب صحفي

شق سكون العنبرالفواح برائحة الدواء والمرض صرير عجل التروللى يحمل مريضة جديدة، أدار العامل بصره فى العنبر، لم يجد سريراً خالياً، نظر للممرضة التى قطعت حيرته قائلة وهى تكتب فى ملفات: «حطها جنب أى حد». تحركت المريضات اللواتى أفقن على الصوت، بعفوية وبطء لملء أسِرتهن، وبدا عليهن الترقب، وازى العامل «التروللى» بأحد الأسرة، جاءت عاملة متثاقلة وأمسكت بطرفى الملاءة من ناحية وأمسك العامل بطرفيها من الناحية الأخرى، وفى حركة واحدة سريعة رفعا الملاءة بالمرأة وقلباها على السرير، أفاقت «مباركة» من سباتها بفعل ارتطام الجثة بها، أدركت الأمر فأزاحت جسمها كله وأرجلها لتلتصق بالجسم الجديد تماماً. أعطت الممرضة المحاليل والحقن للجديدة، و«مباركة» تتنهد بغيظ وحسرة، شخطت فيها الممرضة لما رأتها تحتل نصف السرير مع الجديدة تاركة نصفه الآخر خالياً، على مضض بعدت «مباركة» قليلاً لتعود إلى مواقعها القديمة فور انتهاء الممرضة. تمتمت «مباركة»: جت الحزينة تفرح، وسرحت فى عجين الفجر وخبزه وشغل الغيط وطبيخ العيال وتنظيف الدوار فى آخره وهدة الرجل وقرفه فى الليل، والمستشفى راحة ولحم وفراخ وزبادى ومربى، فى المستشفى سرير نامت عليه، ولوحدها. بدأت الجديدة تهمس: بردانة.. غطونى. تناومت «مباركة» ولم ترد، كان طرف البطانية ينتهى عند كتفها وقدمها، وطرفها الآخر يحيط ويتكوم تحت جنبها الآخر. لم تجد المريضة الجديدة بداً من أن تجذب البطانية بيدها، لكن البطانية لم تأت معها، وسلمها التعب الشديد لنوم ثقيل. استطال ليل «مباركة» وتقطع نومها كالديدبان. مع مطلع النهار اكتملت سخونة العنبر بأنفاس مرضاه وبدأت تدب فيه الأقدام. قامت مباركة رغماً عنها، إذ أوشك الماء المختزن أن يفجر مثانتها، فلما عادت توقفت خطواتها، وصعد الدم حاراً لرأسها وبان فى عينيها الشرر حين رأت الأخرى وقد احتلت الجزء الأكبر من السرير، متدثرة بالجزء الأعظم من البطانية المتآكلة. كتمت «مباركة» الغيظ فى صدرها والكلام الناشف فى فمها وطلعت السرير ونامت ملتصقة بالجارة وبكفها الذى يكسو عظمه الجلد الناشف الرقيق والعروق الزرقاء، بدأت تشد فى البطانية، لكن الأخرى أبدت مقاومة كبيرة، سكنت مباركة ثم عادت للجذب على فترات تتوقع فيها الغفلة، فلما أصبح كلتاهما تحت البطانية والتصقتا تماماً لايفصل بينهما هواء، دفعت مباركة بعظام ظهرها جانب جارتها الملاصق. تصاعدت روح التحدى لدى الأخرى واصطكت العظام بالعظام حتى الوجع. فجأة انتفضت «مباركة» صارخة: إنتى جاية سريرى ليه؟ جلجل فى العنبرالصراخ والسباب والعيار بالأهل والأصل والشكل واللون والسن والهدوم وبالفقر وبالمرض. وصل الطبيب، صرخت «مباركة»: ده سريرى يادكتور، رد قائلاً وهو يكتب فى ملفها: ده سرير الشعب، كله ينام عليه حبة. ثم كتب فى ملفها: خروج تحسن، قالت محبطة: والعملية؟ والثورة؟ أدار كتفيه ومضى.