لكل قضية شكل وموضوع. وقبل أن يحكم القاضى فى قضية ما فلا بد أن ينظر إلى شكلها وأن ينص فى حكمه على أن الشكل قد استوفى عناصره ثم يبدأ الدخول فى الموضوع وينظره، فإذا لم تستوفِ الدعوى شكلها السليم فإنه لا يدخل فى بحث الموضوع ويرفض الدعوى أو لا يقبلها، وتصبح بالتالى خاسرة. أقول هذا بمناسبة زيارات السادة القضاة الأجلاّء لقصر الرئاسة، وبالقطع فإن نواياهم طيبة لإطفاء النيران التى أشعلتها جماعة الإخوان والدكتور محمد مرسى، ولكنها ليست بداية استقلال طيب، وكان على سياداتهم أن يراعوا التوقيت والشكل، خاصة أنهم يذهبون أثناء معركة ليطلبوا لا ليباركوا شيئاً ولا ليشكروا شيئاً. ولا بد من تفعيل وتأكيد أنهم سلطة موازية ومستقلة وعالية، وقد سبق لهم أن قاموا بزيارة وقت أن تم عزل النائب العام السابق من منصبه للمرة الأولى، وقد اتفق معهم د. مرسى على إعادته ثم لم تمض أيام حتى نكث وعزله ثانية، وأظنه بهذا فقد صفته للزيارة، ثم أُعلنت معركة جديدة للكبس بينما لم تنته الأولى، وقد كرر د. مرسى نفس الكلام الحلو عن استقلال القضاء، وأتبعه بأنه لا سلطة له لسحب مشروع تطهير القضاء، ثم أكدت جماعته وشركاؤها بعده الاستمرار فى مهامهم، ففيم ذهب قضاتنا الأجلاء إلى القصر الرئاسى متجاهلين الصفة والشكل بينما الحل لدى آخرين؟
إن كلام د. مرسى ليس إلا تراجعاً لفظياً لامتصاص الغضب وبث صور تدعمه وجماعته فى اتخاذ الإجراءات العنيفة. وترصُّد د. مرسى بالقضاء واضح فى تصريحاته وفى إعلانه الاستبدادى وفى تقاعسه عن حماية المحكمة الدستورية وإهدار قرارها بحل البرلمان، وفى إعطائه سلطة التشريع لمجلس لم ينتخبه 7% من المصريين ليشرّع ثم إنه بالعمد عيّن نصفه من مواليه قبل ساعات من صدور دستوره الذى يمنع التعيين ليضمن تمرير كل ما يريده هو وجماعته، وبالتالى فليس من حق هذا المجلس المطعون فيه كأخيه شكلاً أن يؤسس لدولة أو أن يضع قوانين لإحدى السلطات. وفقد د. مرسى صفة الحكم بين السلطات، بل صار خصماً عنيداً، الزيارات تعطى إشارات خاطئة على التسليم بأفعال غير سليمة كعزل قضاة دستوريين، والتسليم بالنائب (العام) وهذا يؤدى إلى تحقيق ما يريده نظام الإخوان (بالاستقلال بالقضاء لأنفسهم). وليس استقلال القضاء. كما استقلوا بالخبز وأنابيب الغاز، وقد استعدوا بتخريج 9 دفعات قضاة من جماعتهم لتحكم بين الناس.
إنه مشروع التخلص مما يسمونه القانون الوضعى ومن الدولة المدنية التى لا يستطيع د. مرسى نزع مسمار فى ماكينته ولن يوقفه.
الترصد بالقضاء والإصرار على إصابته مستمر ومتصاعد، وتنازلات القضاة، حتى شكلاً، عن استقلال القضاء إثم عظيم ونهاية للدولة والثورة المصرية. لقد قامت الثورة ليصوغ جميع أبنائها وطوائفها مستقبلهم وحاضرهم، وصار على مؤسسة القضاء، وحولها شعبها، أن تحمى استقلالها تاماً شكلاً وموضوعاً لكى يتحقق العدل والحرية، وعلى قضاتنا الموقرين أن يخاطبوا شعبنا صاحب المصلحة والذى خلق الواقع الجديد بالخطر المحيط الذى سيمنعهم من أداء عملهم كما ينبغى ويدعونه صراحة للتحرك معهم.