هل ما زالت مصر أم الدنيا؟

محمد فتحى

محمد فتحى

كاتب صحفي

سأتفهم كل الهجوم المسبق على العنوان، رغم أنه مجرد سؤال استفهامى، ربما يراه البعض استنكارياً، لكن الأكيد أننى أسأل فعلاً: هل ما زالت مصر أم الدنيا؟ أرجوك لا تحدثنى عن حسابات التاريخ وعن حضارات اندثرت وعن أسطوانات حفظناها وكنا نفوز بها فى مسابقات الإلقاء أو نكتبها فى موضوعات التعبير، ولا تحدثنى عن أهرامات أنت لم تبنها، وطفرة ثقافية أنت سمعت عنها، وقليلون من شاركوا فى إحداثها، ولا عن علاقات دولية وتأثير عربى، ولا عن خيرنا الذى هو على الجميع، ولا عن تعليمنا لدول البترول، ولا عن وسطيتنا فى الإسلام التى ستظل موجودة رغم أنوف المتزمتين وتجار الدين. لا تحدثنى عن كل ذلك لأننى أعرفه، ولتحدثنى عن اللحظة الراهنة، اللحظة التى يمكن أن تمتد لثلاثين عاماً مضت وأخرى مقبلة يجب أن تسأل نفسك فيها: هل ما زالت مصر أم الدنيا؟ والله العظيم، وحياة ولادى، وعهد الله، ما زلت أحب بلدى رغم أى يأس، لكنه نفس الحب الذى قال عنه حسين فهمى لأحمد السقا فى فيلم مافيا: «انت ليه بتحب أمك رغم انها مش أجمل واحدة فى الدنيا؟». آه والله، أدعى على بلدى وأكره اللى يقول آمين، لكن السؤال لم يحرم بعد، وها أنا أسأله من جديد: هل ما زالت مصر أم الدنيا؟ الإجابة عندك، لكننى سأنقل لك إجابة سمعتها فى مسلسل أجنبى عظيم اسمه «the newsroom» أو «غرفة الأخبار» عن كواليس صناعة الأخبار فى الإعلام الأمريكى؛ حيث البطل مذيع إخبارى هو الأكثر ثقة عند الناس، وها هو موجود فى ندوة عامة بصحبة من يمثلان الحزبين الديمقراطى والجمهورى. والسؤال من طالبة: ما الذى يجعل أمريكا أفضل بلد فى العالم؟ والإجابة من ممثلى الحزبين تقليدية تتحدث عن الحرية وإعطاء الفرص، والمذيع لا يريد أن يجيب عن الأمر، وبعد ضغط واستفزاز من المحاور، رد بمنتهى العصبية: ليست أعظم دولة فى العالم أيها البروفيسور.. هذه هى إجابتى. يتكهرب الجو.. يتسمر الجميع.. يفاجأ المحاور بالإجابة التى ظل يلح عليها.. يسأل من جديد محاولاً التأكد: أنت تقول... يقاطعه المذيع بصرامة: نعم.. يحاول المحاور تغيير الحديث لكن المذيع (ويل ماكفوى) يبدأ فى الانفجار فيمن حوله.. ينظر يمينه لجارته فيقول لها: حسناً شارون.. هيئة حقوق التعليم التى تتحدثين عنها قضية خاسرة.. إنها تحسب بنساً مقابل كل راتب (يشير للويس الذى يبدو مسئولاً حكومياً رسمياً) لكنها تستغله ضدك فى أى وقت تريد.. هى لا تكلف مالاً.. لكنها تكلف أصواتاً.. أوقاتاً على الهواء.. مساحة لكتابة المقالات.. ■ ■ «هل تعلمين لماذا لا يحب الشعب الليبراليين؟ لأنهم يخسرون.. إذا كان الليبراليون بأم هذا الذكاء فلماذا إذن بحق السماء يخسرون بشكل متواصل؟». تحاول أن تقاطعه.. لكنه يستكمل انفجاره فى «لويس» هذه المرة.. ■ ■ «وأنت.. بكل صفاقة ستقول لهؤلاء الطلبة إن أمريكا هى نجمة براقة وإننا الوحيدون فى العالم الذين يملكون الحرية.. كندا لديها حرية.. اليابان لديها حرية.. المملكة المتحدة.. فرنسا.. إيطاليا.. ألمانيا.. إسبانيا.. حتى أستراليا لديها حرية.. بلجيكا لديها حرية.. 207 دول فى العالم منها 180 لديها حرية..». يحاول المحاور مقاطعته، لكن من قال إن الأمر سهل؟! تسمع همهمات من القاعة.. ينظر له الجميع فى دهشة.. يبدأون فى إخراج هواتفهم المحمولة ليصوروا لحظة تاريخية يضعونها على الـ«يوتيوب» أو الـ«فيس بوك».. يلتفت «ماكفوى» للبنت التى سألت السؤال ويكمل فى حدة: ■ ■ «وأنتِ يا فتاة سكن الطالبات.. للإحاطة فقط.. إذا دخلتِ يوماً بالصدفة إلى كابينة التصويت فيجب أن تعلمى عدة أشياء، أهمها هو أنه لا يوجد أى دليل يدعم التصريح بأننا أعظم دولة فى العالم.. ترتيبنا السابع فى القراءة والكتابة.. السابع والعشرون فى الرياضيات.. الثانى والعشرون فى العلوم.. التاسع والأربعون فى معدل متوسط الأعمار.. الـ178 فى وفيات الرضع.. الثالث فى متوسط دخل الأسرة.. الرابع فى مجال الأيدى العاملة، والرابع فى التصدير.. نحن نملك الريادة فقط فى ثلاثة أوجه: عدد السجناء من المواطنين.. عدد البالغين الذين يؤمنون بوجود الملائكة.. ميزانيتنا فى الدفاع؛ حيث ننفق على الدفاع أكثر مما تنفق الـ26 دولة خلفنا بالترتيب مجتمعة. وبالمناسبة فـ25 منهم حلفاؤنا. الآن.. لا شىء من هذه الأمور تسببت به طالبة فى العشرين من عمرها، لكنها دون أدنى شك جزء من أسوأ فترة لأسوأ جيل على الإطلاق.. لذلك حينما تسألين: ما الذى يجعلنا أعظم دولة فى العالم؟ أنا لا أعلم ما هذا الهراء الذى ترددينه.. نحن مجتمع حيوانات». ■ ■ يصمت الجميع برهة.. هم مصدومون بلا شك لكنهم صامتون. هل وقفوا أمام مرآة أم اعتبروا أن هذا الرجل الذى تثق به أمريكا مجنون مخبول وربما مخمور بعد هذا «الدش» الذى شربوه منه؟ ينظر الرجل فى وجوههم.. يتذكر أن هناك جانبا مشرقا فيتحدث فى شجن بعد أن هدأت نبرته، وتدخل الموسيقى لتلعب دوراً كبيراً فى تهدئة المشاهد والإيحاء بعظمة ما يقول. ■ ■ «بالطبع (كنا) أعظم بلد.. لقد وقفنا بجانب كل ما هو صحيح.. حاربنا لأسباب أخلاقية.. مررنا قوانين وألغينا قوانين لأسباب أخلاقية.. حاربنا الفقر وليس أناسا بسطاء.. ضحينا.. اهتممنا بجيراننا.. وضعنا نقودنا حيث توجد لقمة عيشنا.. ولم نقم أبداً بدق صدورنا متبجحين.. لقد بنينا أموراً عظيمة.. حققنا تقدمات تكنولوجية مذهلة.. استكشفنا الكون.. عالجنا الأمراض الوبائية.. لدينا أعظم فنانين فى العالم.. أكبر اقتصاد فى العالم.. لقد وصلنا للنجوم.. تصرفنا كالرجال.. لم نعرف عن أنفسنا من خلال الأصوات التى حصدناها بآخر انتخابات ونحن لم... لم يكن من السهل إخافتنا». ■ ■ «لقد استطعنا أن نفعل كل هذه الأمور ونقوم بها لأنه تم إبلاغنا بذلك عن طريق رجال عظماء.. رجال موقرين». ■ ■ «إن أول خطوة لحل أى مشكلة هى أن ندرك أن لدينا مشكلة.. أمريكا لم تعد أعظم دولة فى العالم». ■ ■ ينظر للمحاور.. ينظر لنا جميعاً، وأنظر معه وهو يقول: كفاية؟ والآن لنعد للسؤال: هل ما زالت مصر أم الدنيا؟ فعلاً؟