الثقافة مثلها مثل كل شىء فى الطبيعة فى حالة تغير مستمر، ربما ترجع للوراء وقتاً لكنها حتماً تتطور وتستمر. وقد كشفت الطفلة التى ألقت قصيدة عن الخرفان لا اصطناع فيها أمام وزير التعليم، عن تغير ثقافى واضح فى تعامل المصريين مع السلطة، فقد صار الشعب هو الذى ينتقد السلطة ويعلمها وجهاً لوجه. تغيرت الفكرة الرئيسية عن ولى الأمر والطاعة التى هى من الإيمان (الكذوب)، وتوارى الخوف وبدت المساواة.
وآخر ما تفتقت عنه سلطة الإخوان لمزيد من السيطرة على التغيير اختيار مجلس إدارة للمساجد لكى يستسمح بما يقال وتمنع ما لا يقال. لم تدرك الجماعة بعد أن المسجد صار واحداً من مصادر متعددة للثقافة، وأنه لا يمكن أن تقنع المصلين أن السياسى الفاشل هو السياسى المؤمن.
وفى عهد عبدالناصر كان بعض مشكلة التأميم أن بعضهم حتى من أصحاب المصلحة يراه حراماً، لأنه تربى وتعلم طوال قرون من المشايخ والآباء، وفى المساجد والكتاتيب أن الله خلق الناس درجات وطبقات، وأنه لا حيلة لهم فى الرزق ولا فى الفقر وما ينجم عنه من جهل رغم أنه لو علموا أو عرفوا -كمصادر أخرى للثقافة- بلاداً ديمقراطية فى الشمال لأدركوا أن الله لا يطبق هذه القسمة الجائرة هناك وأنها من فعل البشر. بعد ذلك أقنعتهم مصلحتهم ومنافعهم المتحققة أن المساواة والعدالة لا يحرمها الله. تغيرت ثقافتهم أو عقيدتهم أو أفكارهم القديمة لتحل الجديدة محلها.
واجه عبدالناصر ذلك بإنشاء بيوت للثقافة فى ربوع مصر لإقامة بنية ثقافية غير تلك الأحادية من المشايخ والمنتفعين، ولكى يعطى فرصة مساوية للشعب للاستمتاع بالفنون كما يستمتع أهل القاهرة، وظهرت الفرق المسرحية المحلية وأقيمت الشاشات السنيمائية التى تعرض الأعمال الفنية فى تجمعات العمال والسكان، وفى أجران الفلاحين لتحدثهم عن التقدم والعدل والصراع السياسى والحرية.
ولأن أثر هذه البيوت الثقافية والعروض المسرحية كان فاعلاً فقد أوقفها السادات التى كان ينحى اتجاهاً عكس عبدالناصر فى سياسته ودعم الجماعات الدينية لتواجه أفكار «ناصر» وتدعمه فى اتجاهه اليمينى مثلها. ولذلك يجب أن يدرك شبابنا الساعى إلى التغيير أهمية الاتصال بالجماهير وجهاً لوجه فى أماكنهم وتقديم خطب وعروض لمقابلة تأثير المشايخ عليهم.
ثم كانت الأعمال الفنية كالمسلسلات والأفلام ووسائل تعليمية مجانية عن الحب والحرية والحق والعدل والجمال والمساواة والقوة، وصارت بعدها المرأة غير المرأة والابن غير الابن. صاروا أقل استجابة للأفكار الجاهزة وتغير نمط أفكارهم نحو الحرية والاستقلال، ومنذ نصف قرن كان تقبيل أيدى المشايخ والكبار عملاً عادياً بينما صار اليوم مذموماً إلا بين التنظيمات الدينية.
اليوم صارت المعلومات والمعرفة فى شتى المجالات متاحة بوسائل شتى، فاتسعت حرية الناس للاختيار والمفاضلة بين الأفكار نتيجة التعدد والاختلاف فى الدين والسياسة وغيرهما، مما ينتج تغييراً فكرياً وثقافياً، ويزيح الثقافة القديمة ليأتى لنا بثقافة مختلفة، ويبدو منع هذه الوسائل من العمل كمنع السحاب من الجريان وبذا صار المواطن خارج السيطرة، وهو ما يقلق أعداء الحرية الذين يسعون إلى تحديد أى معرفة أو معلومة تساق للناس وإلى تحديد من يخاطبهم فى وسائلهم بالضبط كما يفعلون مع أعضاء تنظيماتهم الذين يحرمون عليهم قراءة كتب ما أو مؤلف ما غير ما يسمحون به لكى يظلوا تحت السيطرة.
لم يدركوا بعد أن نفوذ الدين والأسرة فى توريث الثقافة قد تقلص.