يدرك الكثيرون أن ما تم إنجازه خلال عامين يعد معجزة فى مقابل ثمن ما زال لا يقارن مع ما دفعته بلدان ومناطق أخرى من أجل التحرر، فالانتقال الديمقراطى فى أوروبا الغربية لم يكن منحة أو نزهة، وإنما دفعت فيه الشعوب أثمانا باهظة، حيث جاء بعد حربين عالميتين وكساد اقتصادى إلى حد الإفلاس وعشرين مليون قتيل، مع تغير الثمن وتطور الاتصال، حينما انتقلت رياح التغيير إلى أوروبا الشرقية، كان المدى الزمنى للتحول أقل والثمن لا يقارن، لذا ربما ينبغى أن نتذكر معا أن ثورة يناير التى قادها الشباب واندفع فى دعمها الشعب واستغلها البلطجية والإرهابيون وركبها الإخوان والسلفيون، هذه الثورة العظيمة حققت فى أقل من عامين ما لم نكن نحلم بتحقيقه فى خمسين عاما، على سبيل المثال:
أولا: كسر حاجز الخوف لدى المصريين، والقضاء بصورة نهائية وبلا رجعة على نفسية العبيد الذين ينتظرون حسنة من السيد وتقبيل الأيادى ، كل المصريين الآن يعرفون أنهم مواطنون لهم حقوق، وما يقدمه أى مسئول ليس منحة وما يعجز عن تقديمه مؤشر فشله، لذا لا يستحق المسئول الاستمرار، لا أن يستجدى الشعب المنحة فى كل عيد عمال.
ثانيا: لم يعد الشأن العام مقصورا على النخبة والباحثين، بل أصبح اهتمام كل المصريين على المستوى الفردى فى الريف والمدن والمناطق النائية، بحصول المصريين على أكبر برنامج تعليم مدنى، لقد عملت حركة حقوق الإنسان لأكثر من عشرين عاما على نشر الوعى بين المصريين كمواطنين لهم حقوق وليسوا رعايا، وقد كان أثر الحركة مقتصرا على الطبقة الوسطى المتعلمة إلى حد بعيد، بعد الثورة أصبح كل المصريين على وعى ومصرين على المشاركة، ليس فقط فى صناديق الانتخاب وإنما فى صنع القرار، فلا تخرج الوقفات لطلب امتياز بقدر ما تطالب بالشفافية ومعرفة الحقائق وأين تذهب أموال الشعب، باختصار تطالب «بالحكم الرشيد».
ثالثا: انتهاء عصر الأشباح التى يتم صنعها لتخويف المصريين وإضعافهم ، فقد كان النظام السابق يصنع أشباحا منها حكم الإخوان كبديل وهو نفس النهج للنظام الحالى وإن تغيرت الأشباح لتكون إحراق البلد أو ثورة الجياع، أو الإفلاس لكن المصريين أثبتوا قدرتهم على ابتلاع هذه الأشباح، مثلما تم ابتلاع الإخوان، «فأهلا بالإفلاس والضربة إلى متقصمش تقوى».
رابعا: بداية نهاية الاستبداد باسم الدين ، فما كان يعانى منه القلة المتعلمة فى هذا البلد إدراكهم لحجم الاتجار فى الدين وفساد كثير ممن يعلقون يافطة رجل دين، الآن أصبح كل مواطن على إدراك تام بأن ليس كل ملتحٍ أو حافظ لآيتين هو رجل دين مخلصا لدين الله، والأهم أن المصريين يقومون الآن بأعظم إنجاز بعد الإطاحة بالاستبداد السياسى وهو الإطاحة بالاستبداد باسم الدين، لتبدأ ديمقراطية حقيقية بعيدا عن المتاجرة.
خامسا وعاشرا ومائة، من كان يعتقد أن الثورة نزهة أو أن الثمن بسيط فليتنحَّ ويستمتع بإحباطه، لكن من يعرف أن الثمن ربما يكون فى المال والنفس والولد هو من سيكمل المشوار، هو فقط من يعرف أن فيلم قضية سلمى حمدين صباحى ليس إلا استكمالا للتنكيل بالثوار، فى النفس والولد، وسلمى تدفع الثمن مضاعفا، إنها من أشرف من أنجبت مصر وابنة حمدين صباحى وسهام نجم المناضلين اللذين قدما المال والنفس والآن يقدمان الولد، حتى تنجح الثورة وستنجح حتما ، فصبرا آل سلمى إن نصر الله قريب.