أحسن نادى القضاة صنعاً برفض المشاركة فى مؤتمر (العدالة)، المزمع عقده تحت جناح السلطة التنفيذية ممثلة فى د. مرسى، الذى أظهر أعمالاً ونوايا ضد القضاء والقضاة، وفى وزارة العدل التى يرأس ثمانية من مساعدى وزيرها ثمانى لجان فى المؤتمر، لكى يحموا وجهة نظر الإخوان (الوزير أعلن إصلاح مبانى المحاكم قبل استقلال القضاء).
المشاركة تعنى التسليم مقدماً بالنتائج، لأنها تتم على أساس معطيات قهرية وغير سليمة فلا بد أن تكون النتائج كذلك فى ظل غياب أى ضمانات لكى نصل إلى قضاء مستقل يعدل بين الحاكم والمحكوم. لقد رفض القائمون على المؤتمر قبول طلب نادى القضاة المنتخب عرض ما يتوصل إليه على مجلس النواب لا الشورى، لأن قانون السلطة القضائية من القوانين المكملة للدستور، وبذا تعنى المشاركة التسليم بإعطاء شرعية لمجلس الشورى ليست له، لكونها مطعونة، وانتخبه 7% من الشعب، ولم تكن عقيدتهم ولا حقيقته وقت الانتخاب أنه للتشريع أو يصلح له، كما أن نصف أعضائه معينون من السلطة التنفيذية، ما جعله مجلساً تنفيذياً.
ومن اللطائف أن النائب (العام) يرأس إحدى لجان المؤتمر، ومشاركة القضاة هى تسليم وإضفاء شرعية عليه وليست له.
لقد أنقذ القدر نادى القضاة وأعاده للصواب بعدما أعلن حضور المؤتمر، لأن الذكاء الإخوانى العجول طلب استعجال مناقشة مشروع قانون السلطة القضائية، وحدد جلسة طارئة، ما اضطر النادى لرفض المشاركة.
ثم جمع مستشارو محكمة النقض 270 توقيعاً من إجمالى 360 قاضياً بالمحكمة، لعقد جمعية عمومية طارئة لمناقشة الاعتداءات على السلطة القضائية، فى ظل رفض رئيس المحكمة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء، الذى لم يتخذ موقفاً قوياً ولا إيجابياً ضد اعتداءات السلطة التنفيذية على القضاء.
وهذا يعنى أن الثورة تفرض نفسها وقوانينها حتى على من ليسوا ثوريين، وأن الحالة الثورية مستمرة وتؤثر على الجميع؛ أطفالاً فى الشوارع والمدارس، وشباناً وشيوخاً، وعمالاً وقضاة، وأنها تنتج يومياً قوى جديدة فاعلة تترك الدعة والاستقرار لتصوغ مستقبلاً مشرقاً وسمعة عالية.
والجميع -إلا العبيد- يتخلص من تراث الطاعة العقيم للحاكم فى الحق والباطل.
ويصر الصراع على أن تصل المعركة إلى منتهاها؛ للحق والعدل، لكنها بحاجة إلى مخلصين صبورين شجعان. والقضاة من أهم وأقوى القوى الشعبية فى مواجهة قيام دولة استبدادية جديدة بلحية، وخسارتهم هذه المعركة تعنى خسارة لشعبهم، وخسارة لأنفسهم.
المستبد الجديد يسعى لكنز السلطات الثلاث فى جيبه كالبلح يلقى بنوياته من يشاء، غير عابئ بالثورة ولا بالمؤسسات ولا بغير نفسه.
يومياً يخلع قطعة من حقيقته، ضرب القضاء آخرها.. اعتقال 3560 متظاهراً ومتظاهرة منذ يناير الماضى، منهم معاقون ذهنياً و453 طفلاً، وتعذيبهم وانتهاك أعراضهم.. وإطلاق رصاص حى على عمال الكهرباء منذ أيام لفض اعتصام، ثم تجهيز اتهامات تفرد وتطوى حسب الحاجة، وتستجد كازدراء الأديان، واعتقال قيادات ثورية لضرب الثورة، ثم رفض تكوين حكومة إنقاذ محايدة.
من يسمح لهم أن يمضوا بالقهر إلى الاستبداد؟
ليس لنا إلا الرفض بشدة والعمل على التغيير بقوة.
ولا بديل بعدما ترجم المستبدون نواياهم عملياً فى الشارع وفى الشرطة وفى السجون وفى الإعلام وفى ما يدعون أنه مجلس للتشريع!