سنة أولى رئاسة.. فرص ضائعة وطاقات مهدرة (2-3)

على السلمى

على السلمى

كاتب صحفي

يمكن القول، دون مبالغة، إن السمة الأساسية للسنة الأولى من ولاية د.محمد مرسى هى البراعة والقدرة الفائقة على تضييع الفرص السانحة للوطن للنهوض من كبوته وإهدار الطاقات والموارد المتاحة لتحقيق تنمية حقيقية، وإهمال البحث عن الموارد والطاقات الجديدة لتعويض النقص والقصور فى إمكانيات الحكم وقدرته على تحقيق مطالب الناس فى حياة إنسانية ترقى إلى مستوى الوعود الرئاسية التى تناساها أو غفل عنها «الرئيس المنتخب»! وأول وأهم الفرص التى أضاعها د.مرسى هى فرصة لم شمل الوطن وتجميع أطياف المجتمع فى صف واحد ليشارك الجميع فى بناء الوطن وفق ما تعهد به فى برنامجه الرئاسى «سأعمل مع كل أبناء مصر الكرام على إطلاق الحريات وبناء نظام سياسى رشيد يضمن ممارسة ديمقراطية سليمة تتنافس فيها الأحزاب والقوى السياسية منافسة حرة شريفة ونزيهة لكسب أصوات الشعب المصرى كمصدر أساسى للسلطات». وبدلاً عن بناء التوافق الوطنى، تم تقسيم الوطن إلى «الأهل والعشيرة» فى جانب «الرئيس المنتخب»، والآخرين المطرودين من جنة الحكم الإخوانى فى الجانب الآخر. وأسرف د.مرسى فى زيادة حدة الاحتقان الوطنى بمحاولته إخضاع القضاء لسلطانه بالرغم من أنه تعهد فى برنامجه الرئاسى «بحفظ سيادة القانون، وتعزيز سلطان القضاء وضمان استقلاله والعمل على تنفيذ أحكامه واعتبار جريمة عدم تنفيذ أحكام القضاء جناية يعاقب عليها القانون بالحبس والعزل.. واعتبار كل تصرف يصدر عن السلطات العامة مخالفاً للدستور والقانون باطلاً يستوجب المساءلة»! والحقيقة أن هذا التعهد يوجب مساءلة «الرئيس المنتخب» لأنه أول من خالف الدستور وأحكام القضاء واجبة التنفيذ!! وبدلاً عن حفز المواطنين المؤيدين للدكتور مرسى أو المعارضين له للعودة إلى العمل المنتج فى جميع المجالات، انصرف «الرئيس المنتخب» عن البحث عن حلول غير تقليدية للمشكلة الاقتصادية وانتشار البطالة وتدنى الاستثمارات المحلية والخارجية وتردى الخدمات العامة، وبدلاً من ذلك أصدر قرارات غير مدروسة أشعلت وما تزال الفتن السياسية والخلافات المجتمعية ومظاهر الفتنة الطائفية! واشتعلت التظاهرات والاقتتال بين المصريين وأعلن العصيان المدنى فى بورسعيد، واستشهد أكثر من مائة مصرى وأصيب المئات، وتجدد شعار «الجيش والشعب إيد واحدة» وتم عمل آلاف التوكيلات للفريق أول السيسى لمطالبته بالتدخل! وفى الوقت الذى تعانى فيه مصر من أزمات الوقود وانقطاع التيار الكهربائى وغيرها من المشكلات الحياتية التى يعانى منها المصريون، فشل الحكم الجديد بقيادة د.مرسى فى حل تلك المشكلات باستثمار الطاقات العلمية والبشرية وتجييش مئات الجامعات ومراكز البحث العلمى والقدرات التقنية المتوافرة لشباب مصر وعلمائها. بل العكس تجاهل الحكم الجديد رعاية شباب العلماء، وأغفل تخصيص الموازنات المطلوبة لانطلاق الطاقات العلمية. كما غفل عن استثمار موارد مصر من أراض وصحارى وطاقة شمسية وثروات معدنية كفيلة بحل مشكلات مصر وتحقيق مستوى متقدم من التنمية المتكاملة والمستدامة. كل ذلك فى الوقت الذى تعهد فيه د.مرسى «بتنمية مؤسسات البحث العلمى وزيادة عددها وتحويلها إلى بيئة حاضنة للتميز فى إطار نظام كفء قادر على المنافسة وتكون قادرة على دفع عجلة التطور فى شتى المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والفكرية والفنية والإنسانية»!! ومن أخطر الفرص المهدرة، تجاهل مصادر القوة الناعمة لمصر التى كانت علامة واضحة فى زمن النهضة المصرية الحقيقية التى تمثلت فى نظم التعليم المتطورة حينذاك ومنظومات الخدمات الصحية التى كانت محلاً لإقبال الأشقاء من كافة البلاد العربية والأفريقية يعوضون بها القصور الذى كانت تعانى منه بلادهم فى تلك الخدمات. كذلك يحارب الفن المصرى ويلاحق الإعلاميون وتهدد السياحة والمناطق الأثرية بواسطة تيارات دينية تنتسب إلى الإسلام الحنيف دونما رادع من سلطة الحكم الجديد! ومن عجب أن البرنامج الرئاسى للدكتور مرسى «يتعهد بإعادة الاعتبار للمؤسسة الدينية (الأزهر والكنيسة المصرية) والعمل على استقلالها»، فقد طال الأزهر التهجم من جانب طلاب جامعة الأزهر من جماعة الإخوان المسلمين وحاولوا اقتحام مكتب شيخ الأزهر مطالبين بعزله، كما وقع لأول مرة فى التاريخ عدوان على مقر الكاتدرائية فى العباسية وهاجم الغوغاء الكنيسة المصرية وأطلقت النيران على المقر البابوى! وتحاول حكومة د.مرسى بمختلف الطرق الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى كمقدمة للاقتراض من الاتحاد الأوروبى وغيره، ونراها تسرف فى الاقتراض من قطر وتركيا وليبيا حتى وصل الأمر إلى محاولة الحصول على قرض من روسيا وأخيراً قرأنا عن محاولة الحصول على وديعة من إندونيسيا، فى نفس الوقت الذى أهملت فيه تشغيل آلاف المصانع المعطلة وإعادة الحياة إلى شركات قطاع الأعمال العام وإنقاذ صناعة الغزل والنسيج بقلعة الصناعة المصرية «المحلة الكبرى»، أو تقرر استئناف استصلاح الأراضى واستزراع ملايين الأفدنة فى سيناء والساحل الشمالى الغربى، والعمل على استكمال تعمير الصحراء والسير على طريق عبدالناصر كما تعهد د.مرسى فى خطابه لعمال الحديد والصلب! ولا شك أن أكبر مورد جرى ويجرى إهداره هو سيناء التى تكاد تنقطع علاقتها بالوطن ويستمر تهميش أهلها ويسودها الانفلات الأمنى وغياب رؤية وتخطيط وإرادة سياسية لتعميرها واستثمار خيراتها لصالح كل المصريين! ولك الله يا مصر!