المسلمون فى كازاخستان (3)

مضى أكثر من أسبوعين على عودتى من جمهورية كازاخستان (دولة كازاخ)، ولا زالت طبيعتها الساحرة فى خيالى، وشعبها المضياف فى ذاكرتى، وأحياؤها الشعبية النظيفة تجدّد شجونى، وأهلها المحبون لبلدهم والمخلصون فى عملهم يثيرون إعجابى. ومستوى المعيشة عند الكازاخ متوسط فى الجملة، ولكنهم استطاعوا التكيُّف مع طبيعتهم القاسية فى برودتها، التى قد تصل إلى ثلاثين أو أكثر تحت الصفر، فضلاً عن الأمطار الدائمة غالباً، وذلك بأبسط الأفكار الحضارية. ومن ذلك: تصميم قنوات مفتوحة على جانبى الطريق لمجرى مياه المطر. وقيام الدولة بتوصيل خطين للمياه لكل مسكن، أحد هذين الخطين للبارد والآخر للحار أو الساخن، فلا يحتاج الناس إلى سخانات منزلية، اكتفاءً بالسخانات المركزية التى تتم بالغاز المتوافر وليس بالكهرباء غالية الثمن. ويتم استغلال المياه الساخنة فى البيوت لتدفئتها عن طريق وحدات توزيع فى كل حجرة بما يغنى عن المكيّفات الكهربائية، وبما يثير الاندهاش فى التدفئة شبه المجانية. وقد أدى ذلك إلى ميلاد ثقافة التوفير أو التدبير فى المعيشة، فلا تكاد ترى مصباحاً مضيئاً بغير فائدة، ولا أضواءً مبهرة لقناعتهم بالإبهار الطبيعى، ولا سهراً على ضوء المصابيح الكهربائية اكتفاءً بالاستيقاظ المبكر والانتفاع بضوء الطبيعة. ويتعايش الشعب الكازاخى فى تصالح وطنى، فلا تعرف فى المعاملات الحياتية الوظيفية أو التجارية أو الصحية أو الزراعية أو السياحية ونحوها مسلماً من غيره. الكل يتنافس فى احترام الإنسان وخدمته حتى صار ذلك ثقافة سائدة على حوادث الطريق التى إذا وقعت خرج كل قائد سيارة لمصافحة الآخر والاطمئنان عليه، واتخاذ إجراءات الإسعاف إن كان ثمة حاجة قبل الحديث عن المخطئ والمصيب. وبكل تسليم للقضاء والقدر يتم الاتصال بالشرطة التى ينتظرونها فى هدوء بغير تعنيف أو سب أو قذف، وما ينتهى إليه التحقيق يكون هو النهاية المرضية لجميع الأطراف دون تعقيب أو خصومة. وتسود روح المصلحة العامة والولاء للدولة متمثلة فى أمرين: أحدهما: بذل التبرعات الكافية لإقامة المشاريع الخيرية بالجهود الذاتية وتسابق الأغنياء فى ذلك. والثانى: التزام الشعب بالقانون واللوائح حتى فى غياب جهات الرقابة، فلا ترى متهرّباً من عمله، ولا معتدياً على إشارات المرور، ولا مخالفاً لأنظمة المبانى؛ إيماناً باحترام النظام الذى يحقق الأمن العام، وقناعة بتحكيم القانون الذى يحقق العدل. وإن كان فى الإمكان لكل أحد أن يلتف حول القانون ليس عن طريق مخالفته، وإنما عن طريق الاستثناء منه الذى يتحصّل عليه بآفة سيئة طرأت على الشعب الكازاخى بصفته حديث عهد بالحرية، وانتشرت تلك الآفة حتى صارت ظاهرة يتحدث عنها العامة والخاصة، كما لو كانت ثقافة معتادة، وهى آفة الرشوة التى يتعاطاها كثير من الموظفين لتيسير مصالح الناس أو تمكينهم من الاستثناء القانونى أو أخذ حقوق الآخرين بشكل يوافق القانون. وقد سمعت من بعض الحالات عجباً. ويحب الشعب الكازاخى المصريين، ويأتى كثير منهم إلى مصر ليتعلم فى الأزهر وفى غيره، ليعود سفيراً لها فى بلاده، فيحكى عن حب المصريين للغرباء، ويقارن بين خوف القرويين الكازاخ من الغريب وبين تلقُّف القرويين المصريين له، كما يقارن بين تجرّد الكازاخيين وحياديتهم للغريب وبين إيثار المصريين وعطفهم عليه، كما يقارن بين دخول الغريب دولة كازاخ وخروجه منها دون أن يتعلم لغتها وبين دخول الغريب مصر وعدم خروجه منها إلا بعد أن يتعلم لغتها أو شيئاً منها. إنهم يقولون إنها مصر التى ورد ذكرها فى كتاب الله، وأوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهلها خيراً. ومع ذلك فإن عدد المصريين فى دولتهم لم يبلغ المائة، وكلهم نجوم مضيئة توجب على متخذى القرار أن يفتحوا باب الهجرة الشرعية أمام الشباب المصرى للتفاعل مع الشعب الكازاخى الذى يحتاج إليهم فى حسن استغلال الطبيعة، والانطلاق منها إلى خدمة الإنسانية. وللحديث بقية.. مقالات متعلقة: المسلمون فى كازاخستان (2) كازاخستان والمسلمون فيها (1)