كيف تخلق أعداء للإعلام؟

أثناء الحرب الكورية، وجد باحثون أمريكيون أن الكثير من مواطنيهم الجنود الذين وقعوا فى الأسر فى معسكرات يديرها الصينيون الشيوعيون باتوا أكثر مطاوعة لآسريهم، وأكثر تعاوناً معهم، بل وأكثر استجابة لطلبات إفشاء الأسرار العسكرية، وأيضاً أكثر وشاية بزملائهم الذين يفكرون بالهرب. يقول «روبرت سيالدينى»، فى كتابه المهم «علم نفس الإقناع»، إن الباحثين الأمريكيين اهتموا كثيراً بتحليل سلوك المطاوعة العجيب الذى بات عليه الأسرى الأمريكيون فى معسكرات الصينيين، فى مقابل نزعة الاستقلالية والمقاومة والتمرد التى ظهرت من نظرائهم فى المعسكرات الأخرى أو فى الحربين العالميتين الأولى والثانية. لقد اكتشف هؤلاء الباحثون أن الأسرى الأمريكيين خضعوا إلى برنامج فعال وناجح اسمه «برنامج غرس العقيدة»، وبسبب خضوعهم هذا، حقق الصينيون أهدافهم كاملة حيالهم، واستطاعوا تفتيت لحمتهم، والنيل منهم، وتجنيدهم للوشاية ضد زملائهم، وأخيراً.. إضعاف عقيدتهم العسكرية، وزعزعة ولائهم الوطنى. ماذا فعل الصينيون ليحصلوا على تلك النتيجة المبهرة؟ لقد قام الصينيون فى معسكرات الأسر باستخدام وسيلة من وسائل الإقناع والتأثير المحورية وهى وسيلة «الالتزام والثبات لكسب المطاوعة». على سبيل المثال، كان يُطلب من الأسرى أن يجيبوا عن تساؤلات من نوع: «هل الولايات المتحدة مثالية؟»، «ألا ترتكب الولايات المتحدة أخطاء؟»، «هل الشيوعية شر مستطير، أم أن بها جوانب إيجابية؟»، «اذكر خطأ للولايات المتحدة فى الحرب الكورية؟»، «اذكر حسنة من حسنات الذين يقاومون الولايات المتحدة؟»، «هل لديكم فى الولايات المتحدة بطالة؟»، «أليست معدلات البطالة أقل فى البلدان الشيوعية؟». لم يكن بعض الأسرى الأمريكيين يجدون غضاضة فى أن يجيبوا عن تلك الأسئلة. ولم لا؟ إنهم مواطنون أحرار من بلد حر، لذلك يمكنهم أن يعددوا السلبيات التى ينطوى عليها مجتمعهم، ويمكنهم أيضاً أن ينتقدوا الإدارة السياسية لبلادهم، ولأنهم مطلعون ومثقفون ويتوخون الموضوعية، فسيمكنهم أيضاً أن يعددوا مناقب أعدائهم. حينما يجيب الأسير الأمريكى عن تلك الأسئلة السابقة، سيكون فى الواقع قد كتب قصيدة هجاء فى وطنه ومدح فى أعدائه، وعندها سيطلب منه سجانه الصينى أن يكتب ما ذكره شفاهياً فى ورقة، وستكون تلك الورقة دليلاً يدينه أمام زملائه وينفر بعضهم منه، أو يجعل آخرين ينضمون إليه فيما قاله. وستكون تلك الورقة أيضاً وسيلة يتم استخدامها ضده مستقبلاً إذا قرر التلاعب، والأهم من ذلك أن ما كتبه هذا الأسير سيصبح مناط التزام وثبات من جانبه.. أى إنه لن يتراجع عن قوله أو تبنيه، ليثبت لنفسه على الأقل أنه لم يتورط ولم يقل ما لم يكن مقتنعاً به. لماذا أتذكر هذا الكتاب الآن؟ أتذكر هذا الكتاب الآن لأننى أصبحت أتلقى أسئلة كثيرة من نوع: «كيف نطهر الإعلام؟»، و«لماذا يستثمر رجال الأعمال فى الإعلام؟ ألا يفعلون ذلك لتزييف الحقائق وإضعاف الدولة وحرف اتجاهات الجمهور وتطبيق الأجندات المشبوهة؟»، و«كيف نتسامح مع فوضى الإعلام؟»، و«هل يمكن قبول الممارسات الضارة والحادة الصادرة عن الإعلاميين ووسائل الإعلام؟»، و«ألا يخطئ الإعلام؟»، و«هل يمكن أن تعدد أخطاء الإعلام؟»، و«هل توافق على أداء الإعلامى فلان، وما رأيك فى أداء وسيلة الإعلام كذا؟». إن طرح مثل تلك الأسئلة فقط، والإلحاح والتكرار فى طرحها، واستبعاد الأسئلة الحيوية الأخرى عن حجم الانتهاكات التى تقع بحق الإعلام، يخلق التزاماً ضد حرية الإعلام. إذا قمت بالإجابة عن تلك الأسئلة وفق ما تعرف عن قيم العمل الإعلامى ومعاييره، فستكون قد كتبت قصيدة هجاء فى حق الإعلام والإعلاميين، وسيتكرس لديك الالتزام بما قلته وكتبته وتناقله الناس، وستحاول دائماً أن تدافع عنه وتروج له وتثبته وتعمقه فى المجال العام. إنه أمر شبيه بما حدث فى معسكرات الاعتقال الصينية للأسرى الأمريكيين، إنها محاولة لـ«غرس عقيدة معادية لحرية الإعلام». السكوت عن غموض أنماط التمويل فى الإعلام مشكلة، والتعتيم على أسماء المالكين الحقيقيين لوسائل الإعلام الخاصة مشكلة أكبر، وأداء الكثير من وسائل الإعلام الخاصة ضار وسيئ، وما يفعله بعض الإعلاميين المشاهير ضار وسيئ بشكل أكبر، لكن إثارة تلك الأسئلة وحدها، وغرس عقيدة معاداة الإعلام فى هذا الوقت بالذات كارثة. الإعلام مصلحة عامة، وضرورة حيوية، واستحقاق إنسانى، ومقوم من مقومات الدولة؛ لذلك علينا أن نبحث عن طريقة لتقويم أدائه، بدلاً من غرس عقيدة العداء له.