من يسبب الكفر؟

نائل السودة

نائل السودة

كاتب صحفي

من الطرائف أن نائبة قبطية معينة فى مجلس الشورى، واختارها الإخوان بعد معرفة ودراسة، تصدت مع أعضاء النور وطالبت بمناقشة الإلحاد فى مصر! الغريب أن السيدة نفسها، رغم مسيحيتها، متهمة بالكفر عند الجماعات الدينية كلها، ولولا ظروف ضاغطة لا يستطيع الحكام الإفلات منها ما عينوها نائبة فى المجلس الباطل الذى ناقضت نفسها فيه حين ذكرت أن تزاوج الدين والسياسة يجلب الأزمات، بينما تدخلت هى من خلال عملها السياسى فى دين وعقائد الناس وحرياتهم، بالضبط كما يتدخل زملاؤها فى عقيدتها ويصمونها بالكفر! المجلس المذكور تناسى الجحيم المستعر الذى يحيا فيه الشعب، وتفرغ لمناقشة قضية حرية العقيدة المحكى عنها بتناقض فى الدستور الذى وضعته جمعية باطلة بالليل. يتصور النواب أنهم بإجراءات وسياسات وعقوبات سيحمون الدين ويمنعون الخروج منه، بينما هم سبب زيادة الكفر والتعرى. يتجاهل هؤلاء أن فرض الدين والشريعة بالقهر والحصار والقوة يأتى بأثر عكسى، وبحسب دراسات صارت السعودية تحتل المرتبة الأولى بين الدول الإسلامية فى نسبة الملحدين وصارت تضاهى دولاً أوروبية كبلجيكا فى شىء وحيد هو نسبة الملحدين! بينما انخفض معدل الإلحاد فى ماليزيا من 5% عام 2005 إلى صفر عام 2012 مع خروج الدين من المعادلات والمعاملات السياسية، ولذا أتصور أن السعودية ستصبح دولة علمانية إذا حدثت فيها ثورة شعبية. وأذكر أنى قلت لسائق سعودى مرة مستفهماً: يكفى أن لديكم الحرم فقال لى: خذوه! إن استخدام القوة والقهر فى فرض المعتقدات، سواء كانت دينية أو سياسية، على المجتمعات تأتى بأثر عكسى كما يقول لنا التاريخ، فقد رأى أتاتورك أوائل القرن العشرين أن الدين يعوق حياة الأتراك وتقدمهم فاستخدم القوة فى فرض أفكاره وتخلص من المظاهر والأشكال المرتبطة بالإسلام كرد فعل على تخلف الخلافة العثمانية، ورغم أنه حقق قدراً من الإنجازات لبلاده، إلا أن القرن العشرين لم ينقض حتى أطلت جماعة دينية صعدت للحكم كرد فعل على الديكتاتورية والقمع ضد الحريات الدينية. وفى إيران، وأثناء تولى الشاه رضا خان الحكم منذ 1925، فرض أفكاره، وقلص نفوذ رجال الدين بالقوة وأجبرهم على حلق لحاهم ومنع الحجاب، بالضبط كما تفعل الجماعات الدينية فتجبر النساء على ارتداء الحجاب وتلزم الرجال بإطلاق اللحية كما فى أفغانستان أو بسبل إكراه مختلفة كما فى بلدان أخرى، لكن رضا خان لم ينتصر لأن هؤلاء المقهورين عادوا كرد فعل عكسى على أعماله واستخدموا القوة فى فرض الدين على المجتمع الإيرانى بعد الثورة، والآن يسعى الإيرانيون للخلاص من الفاشية الدينية كما يعمل الشعب التركى باحتجاجاته الأخيرة ضد أردوغان على إيقاف مشروع الخلافة وتقليص حرياته. أدركت الشعوب أن الصراع وردود الأفعال العكسية بين الفاشية الدينية والديكتاتورية يبدد أعمارها وسنواتها ويعطل أعمالها ونموها. هذه النماذج أثبتت أن لا بديل عن الديمقراطية والعلمانية التى تجعل كلاً من الدين والسياسة يعمل على حدة. الديمقراطية تعطينا السلام الدائم، والخضوع الاختيارى لبعضنا بارتياح وأمان وتمنع (العكوسات)!