أكبر سجن للصحفيين فى العالم

العنوان أعلاه ليس لى، ولكنه لمنظمة «مراسلون بلا حدود»، وقد أطلقته، فى تقرير لها صدر نهاية العام الماضى، على تركيا، باعتبارها أكثر الدول التى تشهد حالات سجن صحفيين وأصحاب رأى على الإطلاق. تقول «مراسلون بلا حدود»، التى تعد إحدى المؤسسات المهمة والمعتبرة فى مجال الدفاع عن حرية الصحافة والإعلام، إن عدد الصحفيين المسجونين فى تركيا أكبر منه فى الصين وإيران وأريتريا وسوريا، وهى بذلك تنضم إلى عدد كبير من المنظمات الدولية المحترمة التى عبرت عن انزعاج بالغ وقلق عميق جراء الممارسات القمعية بحق الإعلام التركى. الإعلام فى تركيا صناعة واسعة وضخمة، وتشهد درجة كبيرة من الفاعلية والتنوع، وتحظى باهتمام الجمهور المحلى، وتشكل مصدر اعتماد رئيسيا له، وتحقق عائدات جيدة، لكنها تعانى من إجراءات قمع وتقييد صارمة، كما تعمل فى بيئة تشريعية غير مواتية، وتواجه سلسلة من الضغوط والمكائد والتدخلات الخشنة من قبل رئيس الوزراء. حينما وصل حزب «العدالة والتنمية» إلى السلطة قبل نحو 11 عاماً، كان الإعلام التركى واقعاً بشكل أساسى فى قبضة مجموعة من رجال الأعمال العلمانيين، وبعضهم كان متحالفاً مع القوات المسلحة، أو على الأقل يعمل على تلميع صورتها خوفاً أو طمعاً، وبعضهم الآخر كان يمارس أنشطة استثمارية يشوبها الفساد، أو يتخلف عن دفع الضرائب والاستحقاقات المقررة عليه للدولة، إضافة بالطبع إلى بعض المصالح الإعلامية التى لم تتورط فى مناصرة الجيش أو عمليات فساد واسعة، وتلك التى كانت تدار باعتبارات الجدوى الاقتصادية. ولا شك أن صناعة الإعلام فى تركيا فى ذلك الوقت انطوت على الكثير من الممارسات الضارة والمؤذية وغير المهنية، ليس فقط بسبب طبيعة الملكية والتمويل الملتبسة، ولكن أيضاً بسبب عملها لعقود طويلة فى ظل أنظمة قمعية وأوضاع سياسية غير مستقرة. لذلك، كان لزاماً على أى حكومة منتخبة رشيدة، تريد أن تعيد بناء الدولة على أسس جديدة أن تسعى إلى تطوير المجال الإعلامى على قاعدة الحرية والمسئولية فى آن واحد. لكن ما فعله أردوغان منذ وصل إلى السلطة، إزاء المجال الإعلامى، لا يمكن وصفه أبداً باعتباره عملية إصلاح أو إعادة تأهيل، كما جرى فى قطاعات الاقتصاد والخدمات العامة، وإنما ما سعى إليه رئيس الوزراء التركى لم يكن سوى إخضاع الإعلام لسطوته بأساليب مختلفة دون أى اعتبار لحرية الرأى والتعبير، ودون أى اعتبار أيضاً للالتزامات الأخلاقية، ولا لنزاهة السياسات التى تتخذها السلطات العامة إزاء المجال الإعلامى. لماذا نحاول أن نتذكر ذلك الآن؟ هناك سببان يدفعان إلى محاولة استخلاص العبر مما فعله أردوغان فى المجال الإعلامى فى تركيا؛ السبب الأول يتعلق بهجمة شديدة وانتقادات حادة يوجهها المتظاهرون الأتراك راهناً، لعدد كبير من وسائل الإعلام التركية لأنها «أغمضت عيونها» عن رؤية الحراك السياسى الجارى حالياً فى بلد الخلافة العثمانية، وثانيهما يتعلق بزيارة عمل قام بها وزير الإعلام الأستاذ صلاح عبدالمقصود لهذا البلد قبل أسبوع؛ وهى الزيارة التى قال الوزير إن أحد أهدافها كان «التعرف على التجربة التركية» فى مجال إنشاء مجلس لتنظيم الإعلام. تتمتع تركيا بوجود صناعة إعلام قوية كما أشرنا سابقاً؛ وهو أمر يعزز فكرة التعاون الإعلامى معها، خصوصاً أنها دولة صديقة، وتربطها بمصر راهناً علاقات وديةً. ولذلك لن يكون بوسع أى عاقل أن يعارض التعاون الإعلامى فى مجال البث البرامجى أو تبادل الخبرات المهنية والتقنية، ما دام ذلك سيتم بشكل يعكس التكافؤ والندية ويحقق منافع متوازنة للجانبين، وينأى عن أى دعم سياسى أو محاولات تلميع لأى من النظامين، ويبتعد عن التورط فى الترويج للأيديولوجيا التى يتبناها كلاهما. لكن ما يجب أن يكون مرفوضاً بإصرار هو محاولة نقل تجربة تركيا فى تنظيم الإعلام، أو إنشاء مجلس للإعلام، أو صيانة حرية الإعلام، لأن تلك التجربة، بلا شك، مريرة وقاصرة وغير نزيهة بالمرة، وقد أفضت بالإعلام التركى إلى وضع أشبه بذلك الذى كان عليه الإعلام الرسمى فى مصر عشية «ثورة يناير». «الإخوان المسلمون» معجبون بأردوغان، ويبدو أنهم أرادوا الاستفادة من قصته فى تركيع الإعلام التركى بوسائل خشنة وغير نزيهة، والآن عليهم أن يحاولوا الاستفادة أيضاً من تغير جديد طرأ على القصة؛ فسياسة تركيع الإعلام لم تجد، إذ انتفض الأتراك ضد «استبداد رئيس الوزراء واستعلائه»، وتكفل «الإعلام الاجتماعى» بتوصيل الرسائل المعتم عليها، وهو أمر يصلح أيضاً لاستخلاص العبر.