كلما سرت فى شوارع دولة أفريقية أجد من ينادى من البائعين المتجولين، يدعونى للشراء بكلمة «سعود»، اعتقادا منهم بأننى سعودية، وعندما أقول لهم إننى مصرية يقولون «ناصر»، وكأن الزمن وقف عند عبدالناصر، هو من كان يعرف أن مصر أفريقية كما هى عربية، كان يعرف أن قوة مصر فى القارة السمراء، ومثلما بادلها احتراما بادلته دعما وقوة، فوضعت مصر فى صدارة الدول المؤثرة فى القرار الدولى، من جاءوا بعد ناصر لديهم جهل مفزع حول أفريقيا وقدراتها، يستمدون معلوماتهم من بعض أفلام الكارتون القديمة، التى تصور أفريقيا نصف عراة أو قبائل متناثرة، يسهل اللعب معها أو رشوتها ، مما خلّف مرارة شديدة لدى الأفارقة، وتعاملوا مع مصر كدولة إمبريالية تسعى لنهبهم، بعد أن كانت شقيقة كبرى تسعدهم قوتها.
يجهل الكثير الدور المهم الذى تلعبه الدول الأفريقية فى المنظومة الدولية، فهى تشكل كتلة كبيرة من الدول المناضلة من أجل حقوق الشعوب التى نهبها الاستعمار، يلعب المجتمع المدنى، خاصة الجمعيات الأهلية الأفريقية دورا كبيرا، نظرا لتمتعها بكفاءة عالية فى التشبيك والضغط، واستطاعت تطوير المنظومة الحقوقية الدولية، وقد لعبت بقوة لصالح القضايا العربية، منها مؤتمر مناهضة العنصرية أول سبتمبر 2001، حينما ساعدتنا الدول الأفريقية فى انتزاع قرار من الأمم المتحدة بأن إسرائيل دولة عنصرية بأغلبية ساحقة، كانت لحظة انتصار حقوقى ودبلوماسى تعادل الانتصار العسكرى فى 1973، لكن الإرهابيين تجار الدين بعدها بأقل من أسبوع، دكوا برجى التجارة العالمى فوق رؤوس كل المسلمين فى العالم، ليضعوا الجميع فى خانة الإرهاب.
وبدلا من أن نقترب من أفريقيا، قرر النظام السابق تجاهلها والنظام الحالى مناصبة العداء معها، وبدلا من التعاون فى قضية عادلة ومهمة وهى قضية التنمية فى أفريقيا، من واجب مصر العمل الدؤوب من أجلها، نعقد اجتماعات ومؤتمرات تدار بعنترية وعنصرية وتعالٍ قمىء، ويتصدر المشهد أبطال الأعمال الإرهابية التى عانت منها مصر، وكأنها رسالة للداخل والخارج بأن الحل الوحيد أمام أى خلاف هو الدم.
هذه الأزمة حلها ليس فى المؤتمرات، التى تصدمنا فى قياداتنا قبل أن تصدم الآخرين، حلها فى لجنة مصغرة من الخبراء المحترمين الذين يحملون من العلم والأخلاق واحترام حقوق الإنسان، ما يؤهلهم للتعامل مع النهر كهبة لمصر والسودان وإثيوبيا وباقى دول الحوض، وعلينا جميعا العمل على الاستفادة منه لصالح الشعوب، لجنة تحترم تاريخ إثيوبيا التى حمى ملكها المسيحى المسلمين فى مهد الرسالة من الكفار، ولم يتعامل بعنصرية مع قله يؤمنون بدين مخالف، بل حمى حقهم فى الاعتقاد، لجنة تحترم حاضر إثيوبيا ودورها فى دعم القضايا العربية، وللخروج من المأزق يجب أن تستشيروا أم أفريقيا، السفيرة «منى عمر»، مساعد وزير الخارجية السابقة لشئون أفريقيا، فهى تعرف أفريقيا وتعرف ناسها وشوارعها وتحترم ثقافتها، وتعلم خبراءها وتعرف جيدا أننا إن كنا عربا فنحن أيضاً أفارقة.
أيها العقلاء، دول حوض النيل هى عمق مصر وأمنها وحديقتها الخلفية، ومن واجب مصر أن تدعم خطط التنمية بها وتشارك فى التخطيط لمستقبلنا جميعا، واسألوا عبدالناصر وقبله محمد على، لماذا أرسلوا مهندسى الرى لكل دول حوض النيل؟ ولماذا أرسلو بعثات طبية لإخوتنا هناك؟ ولماذا ذهب المدرسون المصريون للمشاركة فى التعليم؟ لأن أفريقيا لن تقبل استعمارا آخر فهى فقط للأفريقى.